تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 382

مساهمون:

ص٣٨٢
وقد تحدّث النقاد القدامى عن فكرة « انسجام الحروف في الكلمات » ، ووضعوا لها القواعد أو المقاييس التي تحقّق الانسجام فيما بينها . ويعدّ « الرمّاني » أول من تحدّث عن فكرة « التلاؤم » في الحروف في الأسلوب القرآني . موضّحا أثر ذلك في النفس . والتلاؤم بين الحروف ، هو نقيض التنافر ، وهو على مراتب ، والقرآن الكريم في أعلاها يقول الرمّاني في ذلك : « والمتلائم في الطبقة العليا القرآن كلّه ، وذلك بيّن لمن تأمله » « 6 » . ويعلّل الرمّاني التلاؤم بين الحروف بقوله : « والسبب في التلاؤم ، تعديل الحروف في التأليف ، فكلّما كان أعدل ، كان أشدّ تلاؤما ، وأمّا التنافر ، فالسبب فيه ما ذكره الخليل من البعد الشديد أو القرب الشديد . . . وكلاهما صعب على اللسان ، والسهولة من ذلك في الاعتدال ، ولذلك وقع في الكلام الإدغام والإبدال والفائدة في التلاؤم حسن الكلام في السمع ، وسهولته في اللفظ ، وتقبل المعنى له في النفس لما يرد عليها من حسن الصورة ، وطريق الدلالة » « 7 » . فالتلاؤم - عنده - يرجع إلى التقارب أو التباعد في مخارج الحروف ، ولكن بشرط الاعتدال في الحالتين ، فليس قربا شديدا في المخارج ، ولا تباعدا شديدا أيضا ، فإذا تحقق هذا الاعتدال فإنّ التلاؤم يلاحظ في سهولة مخارج الحروف ، وهذا ما نراه في الأسلوب القرآني فليس فيه لفظة مستكرهة أو ثقيلة ، أو متنافرة الحروف . ولكنّ الرمّاني لم يورد شواهد من القرآن على ما يقول ، لأنه - على ما يبدو - يرى أن القرآن كلّه شاهد أو دليل على صحة قوله ، فلا حاجة إلى إيراد الأمثلة ، للشيء الواضح في رسالة صغيرة عن الإعجاز في القرآن . ويبقى للرمّاني فضل الحديث عن التلاؤم بين الحروف ، وبيان تأثيره في الأذن والنفس معا ، على الرغم من أنه لم يدعم رأيه بالشواهد التي تقويه . وقد امتدح الناقد محمد زغلول سلام رأي الرمّاني هذا قائلا : « وملاحظة الرمّاني لصلة الجمال اللفظي بسهولة حركة اللسان جديدة بالإشارة ، إذ خرج الرماني عن حدود
هامش
( 6 ) النكت : ص 88 . ( 7 ) المصدر السابق : ص 88 أيضا .
وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 382 | عبد السلام احمد الراغب