تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 386

مساهمون:

ص٣٨٦
وهذه السمة الفنية في العربية ، بلغت حدّا معجزا في القرآن الكريم ، من حيث ، جودة مفرداته ، وجمال تصويره وعذوبة إيقاعه ، ودقّة معانيه . يقول الله تعالى :
يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا
الطور : 13 . فالدعّ هو الدفع بالظهور ، والمدفوع في النار ، يصدر صوتا قريبا من جرس العين الساكنة ، فيما يشبه الصراخ والعويل ، لذلك فإنّ الصورة هنا تبنى من صوت الحرف أولا ، للدلالة على تلك الصورة المرعبة بهيئتها ، وصوتها ، وحالة المدفوع النفسية . فجرس الكلمة ، رسم لنا هذه الصورة الحسية والنفسية ، بكل ما فيها من هيئة وحركة وصوت ، ثم إنّ تكرار جرس الكلمة في السياق ، ولّد إيقاعا موسيقيا شديدا ، يتناسق ، مع شدّة يوم القيامة وأهواله . ونموذج آخر للتركيب الفني للكلمات القرآنية ، وما فيه من إيحاءات غنيّة ، منبعثة من وزن الكلمة ، وحركاتها . . قال تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ
التوبة : 38 . فلفظة
اثَّاقَلْتُمْ
توحي بالثقل من خلال وزنها على عكس كلمة « تثاقلتم » فهي توحي بالخفّة ، لاختلاف الوزن بين الكلمتين . وقد استثمر القرآن الكريم ، هذه الخاصيّة في اللغة العربية ، في رسم صورة المتثاقل عن الجهاد ، وشدّة الروابط الأرضية التي تقعده ، وتقيّد من حركته ، وتمنعه من الخروج للجهاد ، فكان هذا الاعتماد على كلمة
اثَّاقَلْتُمْ
الموحية بالشدة ، وثقل الروابط الدنيوية المانعة من الجهاد ، كما أنّها ترسم بجرسها صورة المتثاقل ، والحركة المتدرّجة له في القعود ، حتى ينتهي إلى التشبث بالحياة بقوة وعنف ، كما يوحي بذلك المقطع الأخير من الكلمة « تم » . ويضاف إلى ما ذكرناه من خصائص فنية للغة العربية ، أنها تحتفظ بالدلالة الحسية للفظ مع الدلالة المجازية ، وهذا يكسب اللفظ ثروة فنية ، وقدرة على الإيحاء بالمعنى الحسي والمجازي معا « 17 » . وكثير من صور القرآن ، تعتمد على مفردات منقولة من حالة حسية إلى حالة معنوية ، حتى تلمس الحس والخيال معا كقوله تعالى :
سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا سُوءَ الْعَذابِ
هامش
( 17 ) اللغة الشاعرة : 13 - 14 .