تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 380

مساهمون:

ص٣٨٠
المتناسق بين أجزائها ، وفيها الحياة السارية في خلاياها ، كل ذلك يكسبها شكلا مكتملا ، يحدث الأثر الجمالي في النفس الإنسانية . والصورة في القرآن الكريم ، تعتمد النظام نفسه في بنائها المكتمل ، وفي أداء وظيفتها الدينية في النهاية ، لأنّ القرآن كلام الله ، وهو الذي بنى الكون والحياة والإنسان ، وفق أنظمة متعددة ، أو قوانين متناسقة ، كذلك الصورة في بنائها ووظيفتها ، تعتمد نظام العلاقات أو القوانين المكوّنة لها . فتبدأ من العلاقات الجزئية للحروف المكوّنة للكلمات ، ثم تتسع في علاقات الكلمات في الجمل ، ثم في نظام الجمل واتساقها مع المعنى والسياق العام ، حتى نصل إلى البناء النهائي للصورة تشكيلا ووظيفة . وما يقال عن الإعجاز في الكون والحياة والإنسان ، الكامن في نظام العلاقات والروابط ، لتحقيق الوظائف ، يقال أيضا عن الصورة الفنية في القرآن الكريم . ولكنّ عناصر البناء في الصورة الفنية ، غير عناصر البناء في الكون والحياة والإنسان ، وإن كان النظام المتّبع هو النظام نفسه ، لأن المصدر واحد فيها جميعا ، وهو الله سبحانه وتعالى . وقد ساعدت « اللغة العربية » في بناء الصورة الفنية في القرآن الكريم ، لأنها لغة تصويرية ، في طبيعتها ، وهي من أكثر اللغات انسجاما مع تصوير الحالات النفسية والذهنية ، والمواقف الإنسانية ، والمقاييس الجمالية . فهي بحروفها وألفاظها ، وتراكيبها كنز مذخور ، للتعبير الفني أو التصوير الجمالي . لهذا اعتبرها عباس محمود العقاد لغة فنية لأنها « في جملتها فن منظوم منسّق الأوزان والأصوات » « 1 » فحروف الأبجدية المعروفة ، قد استوفت المخارج الصوتية كلّها « فليس هناك مخرج صوتي واحد ناقص في الحروف العربية » « 2 » ، وهي أوفر عددا في أصوات المخارج من غيرها من لغات العالم « التي لا تلتبس ولا تتكرّر بمجرد الضغط عليها » « 3 » .
هامش
( 1 ) اللغة الشاعرة : ص 8 . ( 2 ) المصدر السابق : ص 9 - 10 . ( 3 ) المصدر السابق : ص 9 .