تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 326

مساهمون:

ص٣٢٦
ثم إن صورة الهول مرسومة في أسماء هذا اليوم الواردة في القرآن ، وهذه الأسماء هي في حقيقتها صفات لذلك اليوم ، فكلّ اسم يرسم بجرسه صورة من أهواله وأحواله . ف « القيامة » تصوّر قيام الناس من القبور و « الساعة » تصوّر قربها الزمني ، وكأنها هذا الوقت المحدود و « البعث » تصوّر بعث الناس من جديد ، وما يرافق ذلك من حركات وهيئات وذهول و « القارعة » لأنها تقرع القلوب والآذان بالأهوال و « الصاخّة » تصخّ الآذان من شدّة وقعها وتأثيرها ، « الطامّة » تطمّ الأشياء والمخلوقات جميعا وتعمّهم ، وتعلوهم بأهوالها وأحوالها . وكذلك بقية أسماء القيامة مثل : « الواقعة ، والغاشية ، والحاقة ، والحساب ، والفصل . . . » إلخ . فهذه الأسماء أو الصفات الكثيرة تدلّ على عظم شأن ذلك اليوم ، يقول القرطبي : « وكلّ ما عظم شأنه تعددت صفاته ، وكثرت أسماؤه . . . فالقيامة لما عظم أمرها ، وكثرت أهوالها ، سمّاها الله تعالى في كتابه بأسماء عديدة ، ووصفها بأوصاف كثيرة » « 1 » . وتبدأ الصورة برسم هولها من خلال حجب موعدها عن البشر ، فهي مفاجأة لهم يقول تعالى :
يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها ، فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها ، إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها ، إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها ، كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها
النازعات : 42 - 46 . فالصورة لهولها وضخامتها وأثرها ، مرسومة بلفظ « مرساها » وكأنها سفينة قادمة ، تسير في لجّة البحر المجهول ، نحو مكان رسوّها ومستقرّها ، وهذه الصورة متحركة مرسومة وهي قادمة ، ولكنّ وصولها مجهول لنا ، وهذا يضفي على الصورة ضخامة وهولا من خلال موعدها المجهول ، وحركة القدوم السريعة في طريق كلّه أهوال ، وأمواج واضطرابات . واستخدام « أيّان » في السؤال عن موعدها ، يزيد الصورة هولا وضخامة ، وكذلك قوله :
فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها
. حتى الرسول صلّى اللّه عليه وآله لا يعرف موعدها أيضا . ولكنّها تأتي مباغتة الناس ، وبذلك يقترن الهول بالمباغتة ، لتضخيم أثرها في النفوس . فتبدو الدنيا قصيرة هزيلة إلى جانب صورتها الضخمة المباغتة :
كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها
، فهذه الدنيا بكلّ ما فيها من أعمار مديدة ، وأزمان وأحداث ، ومتاع ، هي بالقياس إليها عشية أو ضحاها ، وكأنها جزء من نهار ، وليست نهارا كاملا .
هامش
( 1 ) اليوم الآخر : للدكتور عمر سليمان الأشقر . الجزء الثاني . ص 30 .