تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 324

مساهمون:

ص٣٢٤
الإنسان مستعدا دائما لهذا الانتقال المفاجئ ، ويحسب حسابه على الدوام . وأحيانا يكون المشهد من مشاهد القيامة ، ولكنه ينتقل فجأة إلى مشهد في الدنيا ، لربط العالمين أيضا وربط النتيجة بأسبابها الموصلة إليها . يقول تعالى :
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ، آخِذِينَ ما آتاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُحْسِنِينَ ، كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ ، وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ . .
الذاريات : 15 - 18 . وغالبا تعرض مشاهد النعيم ، ومشاهد العذاب ، متقابلة ، وهذه السمة البارزة في مشاهد القيامة ، حتى تتمّ المقارنة بينهما ، لإيضاح الفروق في الجزاء بحسب اختلاف الأعمال في الدنيا . وهذا التقابل يهدف إلى الترغيب والترهيب ، يقول تعالى :
إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ ناراً أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ وَساءَتْ مُرْتَفَقاً ، إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا ، أُولئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ . . .
الكهف : 29 - 31 . ونلاحظ هنا الفوارق بين حياة الظالمين ، وحياة المؤمنين في الآخرة ، وهي تعدّ امتدادا للفوارق بينهما في الدنيا ، فكرا وسلوكا وشعورا . فالظالمون كانوا في الدنيا في نعيم وعيش رغيد ، وهم في الآخرة يحيط بهم العذاب الحسي ، في شيّ الوجوه بالنار ، وشرب الحميم الغسّاق الذي يحرق البطون والحلوق ، عقابا على أفعالهم في الدنيا . وتختلف حياة المؤمنين في الآخرة ، فهم في ألوان من النعيم المحسوس في جنات وأنهار ، وألوان من الشراب اللذيذ . . . وتحفل هذه المشاهد بالصور الحسية المتقابلة في السياق ، والمتفاعلة فيما بينها للتأثير في الحس والشعور . وتدور هذه الصور الحسية للنعيم والعذاب ، حول الطعام والشراب واللباس والمسكن ، والمجلس ، والمناخ ، والأصحاب وغير ذلك مما هو مألوف لدى الإنسان ، لتكون هذه الصور للنعيم أو العذاب أبلغ تأثيرا في النفس ، وأقرب إلى التصور والخيال الإنساني . فهي صور حسية تشمل الصور اللمسية ، والذوقية ، والبصرية ، والسمعية ، والشميّة ،
وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 324 | عبد السلام احمد الراغب