وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ
لقمان : 33 .
فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ ، يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ ، وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ ، وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ ، لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ
عبس : 33 - 37 .
فالصاخّة بجرسها الشديد ، الذي يصخّ الآذان ، ترسم مشهدا مرعبا لذلك اليوم ، نرى فيه حركة الفرار الجماعيّة ، وتقطع الروابط الاجتماعية ، وهذه الحركة تجسّم الحالة النفسية المضطربة والخائفة وتفكير الإنسان ، بنجاته ، وانشغاله بذلك عن أقرب الناس إليه .
ثم تستمر الصورة في رسم ملامح الوجوه . التي تدلّ على خفايا النفوس ، فوجوه المؤمنين
مُسْفِرَةٌ ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ
عبس : 38 - 39 ، وبشر الوجوه وسرورها دليل على هدوء النفوس المؤمنة ، واطمئنانها ، وتقابلها صورة مغايرة لوجوه الكافرين
عَلَيْها غَبَرَةٌ ، تَرْهَقُها قَتَرَةٌ
عبس : 40 - 41 ، فهي وجوه منكسرة ذليلة ، مغبّرة بالحزن والهمّ والحسرة .
وهكذا تتقابل الصور في السياق الواحد ، لكشف الحقائق ، وبيان الفروق بين الناس .
وتبدأ مشاهد القيامة ، بمشهد النفخة في الصور ، وهي صورة غيبيّة ، تعرض في صورة حسية سمعية تصعق كلّ شيء فتميته ، وتوقف حركته ، وتنهي وجوده . وهي علامة على انتهاء العالم المحسوس عالم الدنيا ، بكلّ ما فيه من متاع ، ومخلوقات وقوانين فتنطبع في ذهن الإنسان من خلال هذه الصورة السمعية . فناء الحياة ، وهلاك المخلوقات
وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ
الرحمن : 27 .
ويبدأ بعد ذلك العالم الأخر ، بقوانينه الجديدة التي وضعها الله سبحانه ، تتناسب مع فكرة الخلود في الجنة أو النار .
وهذه الصورة ، لا نعرف كيفيتها ، ولا ما هو الصور ، ولا ندرك مدى هذه النفخة ، لأن القرآن الكريم لا يهتمّ بتصوير ماهيّة الأشياء ، وإنما يهتمّ بتصوير آثارها ، وما يترتب على ذلك من أحداث وأعمال . وهذه الطريقة في التصوير ، تنسجم مع خصوصية النص القرآني ، باعتباره كتاب هداية للبشر ، قبل كلّ شيء . والنفخة تأتي مباغتة إيذانا بالعالم الآخر ، والناس غافلون في الحياة الدنيا وما فيها من متاع ، يقول تعالى :
وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ، ما يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ ، فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً