وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ ، وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ ، قالُوا يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ ، إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ ، فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَلا تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
يس : 48 - 54 .
والتصوير الفني يرسم هنا مشاهد متعددة ، مترابطة في السياق ، ومتفاعلة أيضا ، لتحقيق الأثر الديني منها .
ويعرض القرآن مشهد المكذبين ، وهم يتساءلون باستنكار وشكّ عن ذلك اليوم ، وكأنّه مشهد حيّ حاضر من خلال الفعل المضارع « يقولون » على طريقة القرآن في إحياء المشاهد واستحضارها . وفجأة ينتقل السياق إلى مشهد الصيحة المباغتة لهم ، وهم على هذه الحالة من الجدل والخصام والاستنكار ، فنراهم في هذا المشهد أمواتا لا يتحركون ، وصورة عجزهم في هذا المشهد ، تقابل صورة استنكارهم ، واعتزازهم بأنفسهم ، فهم عاجزون بعد الصيحة حتى عن الرجوع إلى أهليهم ، أو كتابة توصية لهم ، وهذا الانتقال المفاجئ من مشهد الحياة إلى مشهد الفناء ، يوحي بقرب الفناء ومباغتة الساعة لهم ، وهم غافلون عنها ، في الجدل والمخاصمة والشك .
وحتى لا يطول انطباع مشهد الفناء في الأذهان ، فيعتقد هؤلاء ، أنّ النهاية هذا الفناء ، أعقبه بمشهد آخر متصل بالمشهد السابق ، وهو مشهد الخروج من القبور ، بعد النفخة الثانية في الصور .
ونراهم في مشهد الخروج من القبور في حيرة واضطراب ، وصورتهم هنا تخالف صورتهم في المشهد الأول حين كانوا في الدنيا يجادلون ويخاصمون ، فهم الآن يدعون على أنفسهم بالهلاك ، لقد أيقنوا وقوع ما كانوا يكذّبون به ، ورأوا أمامهم حقيقة الحساب ، وصدق وعد الله . والسياق لا يترك سؤالهم بلا جواب
مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا
. وإنما يأتيهم الجواب المباشر
هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ
بدون فواصل بين الاستفهام والجواب ، حتى ينطبع الجواب في الذهن ، بعد ملامسة الحس والشعور بصورة الفناء ، وصورة البعث من القبور .
ثم تأتي الصيحة الأخيرة للحشر والحساب ، وتجميع الناس بعد الخروج في مشهد الإحضار للحساب وهم كارهون كما يوحي بذلك لفظ
مُحْضَرُونَ
، وهكذا تتواصل المشاهد