تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 323

مساهمون:

ص٣٢٣
وهكذا ترتسم صورة الإنسان واضحة بسيطة ، منذ خلقه وحتى نهايته ، وامتداد حياته في عالم الجزاء والحساب ، وهذا التصوّر يضفي على حياة الإنسان أملا ممتدا ، وحيوية فائضة ، وعملا جادا مثمرا ، انتظارا للجزاء في عالم الخلود والبقاء . ومن رحمة الله سبحانه ، أن أرى الإنسان ، حياته الممتدة في العالم الآخر في مشاهد مصوّرة ، يرى فيها نفسه وعمله معا ، فالمؤمن الذي يسير على منهج الله ، يرى مشهده في الجنة ، فيشعر بالراحة والطمأنينة لنهاية حياته المرسومة في مشهد الجنة . أما الكافر الذي حارب الله ورسوله ، فيرى مشهده في النار فيعرف عقوبة تكذيبه ، وكفره . وبهذه المشاهد المصورة ، تتحقّق العدالة الإلهية ، لأنّ الله سبحانه عرّف الإنسان وهو ما زال في الدنيا ، مشهد حياته في الآخرة ، وما ينتظره من ثواب أو عقاب ، لكي يختار طريقه على بيّنة ووضوح . ومن أجل تحقيق هذا الغرض الديني ، فإن المشاهد المصوّرة للعالم الآخر ، تعرض متصلة بالعالم الدنيوي دون فاصل في التعبير والتصوير ، للمواقف الإنسانية ، والانفعالات البشرية . فيبدأ المشهد غالبا في الدنيا ، وينتهي بتصوير مشهد في الآخرة ، أو العكس ، حتى يتحقّق الأثر النفسي ، فيشعر الإنسان بقرب الآخرة ، من خلال هذا الاتصال بين المشهدين في التصوير . يقول تعالى عن استعداد الإنسان للهداية أو الضلالة :
إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً ، إِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ وَأَغْلالًا وَسَعِيراً ، إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُوراً . . .
الإنسان : 4 - 5 . فالسياق يتحدث عن استعداد الإنسان لشكر الله أو للكفر به ، وبمناسبة الحديث عن كفره ، ينتقل السياق مباشرة إلى مشهد من مشاهد القيامة ، لبيان عاقبة الكفر وهي تقييد الكافرين بالسلاسل والأغلال ، ورميهم في السعير . ثم استعرض مشهد الأبرار في النعيم وأطال في تصويره . وهكذا تترابط الصور ، وتتواصل في السياق الواحد ، كما يتواصل العالمين المحسوس وغير المحسوس أيضا ، تتفاعل الصور كلّها في السياق ، لتوليد الأثر المطلوب في اتصال العالمين ، واتصال الحياتين ، هذا الاتصال يتمّ فجأة بلا مقدمات ، ولا فواصل ، حتى يبقى
وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 323 | عبد السلام احمد الراغب