تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 309

مساهمون:

ص٣٠٩
المثل الأول
مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ ، صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ . .
البقرة : 17 - 18 « 8 » . وحركتهم المضطربة المتذبذبة بين المؤمنين والكافرين في المثل الثاني
أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ . . .
البقرة : 19 . فبالإضافة إلى ظلمة نفوسهم ، وحركتهم المضطربة في المجتمع ، هناك صفة أخرى لهم ، هي « الجبن » والجبن صفة ذميمة ، تفسّر أسباب مواقفهم الملتوية ، ونفوسهم المتلوّنة ، التي لا تثبت على مبدأ أو رأي . فهذا النموذج ، ظاهره يعجب ، ويخدع ، وباطنه جبان ، يقول تعالى فيهم :
وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ
المنافقون : 4 . ونموذج المنافقين مثال للبلاهة والخوف ، وعدم الانتفاع منه ، ويتمثّل هذا النموذج في الأجسام الضخمة ، التي تعجب في مظهرها الخارجي ، ولكنها في حقيقتها خالية من الروح ، وأيّ مضمون مفيد ، كذلك يتمثّل في الأقوال المنمّقة ، التي تسمع وتطرب ، ولكنها لا تحتوي على أساس ترتكز عليه . فالمنافقون في المجتمع أشبه بالأخشاب المسندة إلى جدار ، كالتماثيل بلا حركة ولا موقف ، لأن نفوسهم مهزوزة ، يحسبون كل صيحة عليهم ، تفضحهم وتكشف سرّهم . ويلاحظ دقة التصوير في قوله :
كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ
للدلالة على عدم الانتفاع بهذا النموذج . يقول الزمخشري في ذلك : « فإن قلت ما معنى قوله « كأنهم خشب مسندة ؟ قلت شبّهوا في استنادهم وما هم إلا أجرام خالية عن الإيمان والخير بالخشب المسندة إلى الحائط ، ولأن الخشب إذا انتفع به كان في سقف أو جدار أو غيرهما من مظان الانتفاع ، وما دام متروكا فارغا غير منتفع به أسند إلى الحائط فشبّهوا به في عدم الانتفاع » « 9 » . وصورة أخرى لهذا النموذج ، تتمثّل في التلوّن بكل لون ، حسب الظروف والمواقف . يقول تعالى :
إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراؤُنَ
هامش
( 8 ) انظر الفصل الثاني من هذا الكتاب ، فيه توضيح لحقيقة المنافقين . ( 9 ) الكشاف : 4 / 109 .