تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 306

مساهمون:

ص٣٠٦
وقد رأينا في نموذج المؤمن ، تفتّح حواسه ، وإيمانه بالله سبحانه ، وباليوم الآخر . . ولكنّ نموذج الكافر ، قد عطّل حواسه ، فتوقفت عنده وسائل المعرفة والإدراك ، فلم يعد يدرك غاية وجوده في الحياة ، أو يؤمن بربه ، لأن أدوات الإدراك والمعرفة معطّلة . فالقلوب هنا مختومة فلا يصل الهدى إليها ، والأبصار مطموسة فلا ترى النور ، والأسماع مسدودة ، فلا تسمع الحق . ومن كان هذا حاله ، فلا يرجى منه خير ، ولا ينفع معه إنذار وتوجيه . وهكذا يرتسم نموذج الكافر بصورته المظلمة الجامدة ، ثم تتوالى صور الكافر في القرآن متفرّعة كلّها من هذا الأصل ، الذي تنبثق منه لاستكمال صورته بكل تفصيلاتها وجزئياتها . وهذا كما قلنا يؤكّد نظام العلاقات بين الصور في الأسلوب القرآني . فنحن نجد صورة أخرى للكافرين مرسومة للتحقير في قوله تعالى :
وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ
محمد : 12 . وقد استحقّوا هذه الصورة المحقّرة لشأنهم ، لأنهم عطّلوا أدوات المعرفة والإدراك لديهم ، فلم يعد لهم إلا هذه الحياة المادية ، في الطعام والشراب ، التي هي أقرب إلى صورة الدواب منها إلى صورة الإنسان المكرّم بخصائصه الإنسانية المميزة له عن باقي المخلوقات . ويرسم القرآن الكريم نموذجا للكافر في قوله :
أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ
الجاثية : 23 . فهذا النموذج خاضع لهواه ، منقاد له ، خضوع العبد لمولاه ، فلا يرى الأشياء إلا من خلال أهوائه ورغباته وشهواته ، حتى استحوذ عليه هذا الهوى ، فعطّل حواسه ، فأصبحت مختومة ، لا تدرك الحقائق كما هي . وحين يتخذ الإنسان هواه إلها يخضع له ، ويختم على حواسه فلا يدرك الأشياء ، يستحق وصفه بالأنعام يقول تعالى :
أَ رَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ أَ فَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا ، أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا
الفرقان : 43 - 44 . وفي تصوير هذا النموذج إضافة جديدة ، وهي تصويرهم بالأنعام التي لا تعقل ولا تسمع ،