تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 307

مساهمون:

ص٣٠٧
حتى يوضّح أن هذا النموذج من الناس لا جدوى من هدايته ، لأنه غير قابل للهداية ، وغير صالح لها ، لأنه فقد أدوات استقبال الهدى في التعقل والاستماع ، والعلّة في ذلك كلّه هي اتّباع الهوى ، والخضوع له . وحين يتخذ الإنسان الهوى إلها ، فإن نفسه تتفلّت من الموازين الضابطة لشهوات النفس ، بل إنها تخضع لهذه الشهوات ، وتتخذها إلها معبودا . والتعبير القرآني يعتبر هذا النموذج أحطّ من الأنعام ، لأن الأنعام تؤدي وظائفها الغريزية التي أودعها الله فيها ، بينما الإنسان يعطّل وظائف حياته التي زوّده الله بها . وهناك نموذج آخر لا يكتفي باتباع الهوى بل يصدّ غيره عن الهدى والإيمان ، يقول الله تعالى فيه :
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَها هُزُواً أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ
لقمان : 6 « 7 » . وهذا النموذج موجود في كل جيل أيضا ، يتّخذ أساليب عدة للصدّ عن سبيل الله ، ويفني عمره ووقته وماله في سبيل إضلال غيره ، ويسميها القرآن « لهوا » تهوينا من شأنها ، وتحقيرا لها . ثم يصوّر القرآن الكريم ، هذه النماذج للكافرين ، في صورة جماعية ضمن مشهد واحد ، يجمعهم جميعا يقول تعالى :
وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً
آل عمران : 176 . وهذا المشهد حيّ شاخص ، يصوّر حركة الكافرين ، وهم مسرعون في طريق الكفر ، ماضون فيه ، وكأنّهم يسعون إلى غاية ، يريدون أن يصلوا إليها ، فهم في حلبة السباق ، يسرع كلّ منهم قبل الآخر ، حتى يصل إلى النهاية قبل غيره ، ولك أن تتأمل هذه الجموع تتسارع ، وتتدافع في هذا الطريق ، وكأنّها تأمل أن تحصل على جائزة في نهاية السباق . وهذه الحركة الحسية السريعة ، تعبر عن حركة نفسية في داخل الصدور ، ولكنّ القرآن الكريم ، يضع صورة مقابلة ، توقف الحركة السريعة في طريق الكفر
إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً
فتتلاشى صورة الكفر بما فيها من سرعة واندفاع ، لهزالها وضعفها أمام الصورة المقابلة
لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً
.
هامش
( 7 ) هذه الآية نزلت في النضر بن الحارث - كما ورد في بعض الروايات - وكان يشتري أساطير الفرس ثم يجلس في طريق الذاهبين لسماع القرآن محاولا جذبهم إليه وصدّهم عن ذكر الله .