تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 311

مساهمون:

ص٣١١
فالمتخاذل يبطئ عن الخروج إلى الجهاد ، وربّما يبطّئ غيره أيضا ، لأنّه يؤثر السلامة ، وينتظر نتيجة المعركة . فإن رأى هزيمة المسلمين ، عدّ نفسه محظوظا في تقاعسه ، وإن رأى أنهم انتصروا راح يطلق الأمنيات كي يفوز بالغنائم . والصورة ترسم حركة المتخاذل من خلال جرس الكلمة الشديد المتعثر
لَيُبَطِّئَنَّ
فهي ترسم حركة التثاقل الحسية بكل التواءاتها وعثراتها ، وهذه الحركة الحسية ، تعبر عن حالة نفسية مريضة ، تؤثر السلامة ، وترغب في الغنيمة في الوقت نفسه . وهناك نموذج من الناس ينظر إلى الدين من خلال الربح والخسارة ، يقول الله تعالى :
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ
الحج : 11 . فهذا النموذج يمسك بطرف من الدين ، ولا يأخذه كلّه ، فهو يعبد الله وكأنّه على حرف أي « على طرف من الدين لا في وسطه وقلبه » كما يقول الزمخشري « 10 » . فإن وجد أن الدين يجلب له المنفعة فرح واطمأنّ . وإن أصابه ابتلاء في الدين ، ارتدّ منقلبا على وجهه ، لأنه غير متمكّن منه ولا ثابت عليه . « والتعبير القرآني يصوّره في عبادته لله على ( حرف ) غير متمكن من العقيدة ولا متثبت في العبادة ، يصوّره في حركة جسدية متأرجحة قابلة للسقوط عند الدفعة الأولى ، ومن ثم ينقلب على وجهه عند مسّ الفتنة ، ووقفته المتأرجحة تمهّد من قبل لهذا الانقلاب » « 11 » . وصنف آخر من الناس متكبّر متعجرف ، ترسمه الصورة في نموذج متكرر ، يقول تعالى :
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ ، ثانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَذابَ الْحَرِيقِ
الحج : 8 - 9 . وصورة العجرفة الممقوتة مرسومة بحركة
ثانِيَ عِطْفِهِ
مائل مزورّ بجنبه عن الآخرين وهذه العجرفة تدفعه إلى الجدال ، لا عن بينة وعلم بل عن جهل ، فهو يتعالى بهذه الصورة الحسية ليغطي جهله وغباءه ، وقصور فهمه . وحركة العجرفة المتمثّلة في ثاني عطفه ، نراها مكرّرة في هذا النموذج ، وهي من أبرز
هامش
( 10 ) الكشاف : 3 / 7 . ( 11 ) في ظلال القرآن : 4 / 2412 .