ولكنّ هذه الصورة الجماعية للكافرين ، ليست متّحدة في داخل صفوفها ، وإن اتّحدت في حركتها الخارجية في طريق الكفر ، فهم أحزاب وجماعات ، متناحرة ، كل حزب بما لديهم فرحون .
يقول تعالى :
فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ
المؤمنون : 53 .
وهذه صورة حيّة ، لأهل الكفر ، جماعات ، وأحزابا ، يرسمها التعبير القرآني ، فيجعلها نماذج مكررة في كل زمان ومكان ، فقد تنازع هؤلاء الأمر بينهم حتى مزّقوه تمزيقا ، ثم مضى كل حزب بالقطعة التي مزّقها بيده ، فرحا بها ، لا يفكر بما فعله من تمزيق الأمر الواحد ، لأنه أغلق تفكيره في غمرة شعور الفرح الطافح على كل شيء .
هذا هو نموذج مكرّر لجماعات الكفر ، وما تقوم به من أدوار في التمزيق والتفريق ، ترسمه الصورة القرآنية بحركة حسية خارجية ، تتمثّل في تمزيق الأمر زبرا ، كما ترسم المشاعر الداخلية بكلمات قلائل
كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ
فتغدو هذه السمات للنموذج واضحة متجدّدة في كل زمان ومكان .
وأحيانا يجمع السياق بين نموذج الإيمان ، ونموذج الكفر ، ويقابل بينهما ، لإجراء المقارنة ، وتوضيح الفروق بينهما ، يقول تعالى :
زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ
البقرة : 212 .
فالدنيا في نظر الكافر هي الأساس ، لذا فهي مغرية ، ومزيّنة في عينيه ، وهي المقياس لكلّ الأشياء والتفاضل بين الناس ، فهو متعلّق بها ، لأنها فرصته الوحيدة ، ويتجاوز ذلك إلى السخرية من المؤمنين ، الذين يختلفون معه في النظر إليها ، فالمؤمنون يزنون الأمور بميزان الإيمان ، الذي هو المعيار الباقي ، لهذا فإنهم يكونون الأعلى يوم القيامة .
أمّا نموذج النفاق ، فهو مصوّر أيضا ، في أوائل سورة البقرة ، لبيان سماته الأساسية من أول القرآن ، حتى تكون أساسا ، لبقية صفاته الأخرى المرسومة في بقية سور القرآن .
وصورة نموذج النفاق وردت أطول من صورة نموذج المؤمن والكافر ، لأنّ صورة المؤمن صافية واضحة ، مستقيمة ، محدّدة السمات ، وصورة الكافر مظلمة معتمة في اتجاهها .
أما صورة المنافقين ففيها التواء وغموض ، فهي بحاجة إلى توضيح أكثر ، حتى تعرف سماتها المميّزة لها ، فقد رأينا صورتهم في فصل « الأمثال المصورة » فد عطّلوا حواسّهم في