تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 303

مساهمون:

ص٣٠٣
فهناك نماذج للمؤمنين ، متفرّعة من هذا النموذج ، ولكنّها مرتبطة فيه ، ومتواصلة مع ملامحه وسماته . فنموذج المؤمن هنا ، يتفرّع إلى نماذج للمؤمنين ، لأنهم يتفاوتون في الصفات والملامح ، ولكنّهم يلتقون جميعا في الملامح الأساسية المحدّدة لنموذج المؤمن في أول سورة البقرة . فهناك المؤمن المتجرد لله ، يبيع كل شيء في سبيل مرضاة ربّه . ترسمه الصورة ، وتحدّد معالمه ، ليصبح نموذجا يحتذى . يقول تعالى :
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ
البقرة : 207 . وهناك نموذج المؤمن الشجاع ، الذي نراه في قوله تعالى :
الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ
آل عمران : 173 . ونموذج آخر للمؤمنين ، يتمثّل في أولئك الذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع ، يقول تعالى فيهم :
إِنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنَا الَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِها خَرُّوا سُجَّداً وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ ، تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ ، فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ ، جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ
السجدة : 15 - 17 . فمشاعر هذا النموذج مجسّمة في صورة محسوسة ، تتمثّل في حركة الجسد ساجدا لله ، وحركة اللسان مسبّحا أيضا ، ثم يرسم القرآن مشهدا مؤثّرا لهم ، يجمع بين الصورة الحسية والصورة النفسية . فهذا النموذج فريد بين البشر ، يهجر مضجعه اللذيذ في وقت راحته ورقاده . ليتوجّه إلى ربّه في ساعات الليل ، وهو نموذج فريد أيضا في مشاعره ، وصلته بربه ، يجمع بين الرجاء والخوف . وبين الصورة المحسوسة ، والصورة النفسية ، صلة وتواصل في السياق ، فهذه المشاعر الخائفة ، هي التي دفعتهم إلى هجر المضاجع في زمن الراحة والدّعة . فالصورة النفسية لهم ، تجسّم في صورة حسية متحركة
يَدْعُونَ رَبَّهُمْ . .
وصورة حسية متحركة أخرى ، هي « تتجافى جنوبهم عن المضاجع » والمضاجع ، تدعو الجنوب إلى الاسترخاء والدّعة ، وإسناد الفعل إلى الجنوب ، يوحي بما في التجافي عن المضاجع من مشقّة للأجسام .
وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 303 | عبد السلام احمد الراغب