ممّا يؤكّد على التواصل بين الصور القرآنية ، وإن تباعدت أنساقها الواردة فيها .
فصورة المؤمن هي صورة النور ، والحياة ، والسميع ، والبصير ، والشجرة الطيّبة ، والأرض الخصبة ، وتقابلها صورة الكافر ، وهي الظلام ، والموت ، والأصم ، والأعمى ، والشجرة الخبيثة ، والأرض الميتة المجدبة . ونلاحظ في تصوير الأمثال لأصناف الناس ، أنه يبرز ملامح كل فئة أو صنف ، ثم يوازن بين المؤمنين والكافرين ، وبين عقيدة التوحيد والشرك ، لإظهار الفوارق الجوهرية بين المؤمنين والكافرين ، وبين التوحيد والشرك . ثم يضع أمام كل فريق من الناس نهايته ومصيره ، وثوابه ، وعقابه وهذا الاختلاف بين الناس يرجع إلى الاختلاف في تفسير الحياة ، لهذا فإن تصوير المثل يمتد متواصلا مع الأمثال القرآنية ، في تصوير الحياة الدنيا الزائلة ، وتصوير الحياة الباقية في الدار الآخرة .
ويعرض أمثالا قصصية للعظة والاعتبار ، لبيان عاقبة التكذيب بالرسل .
وهكذا تتواصل الأمثال المصورة ، وتتّحد في أهدافها أو أغراضها الدينية ، وتترابط فيما بينها لأداء هذه الأغراض ، ضمن أنساق تعبيرية متفاعلة مع التصوير .
ولكنّ الصورة القرآنية ، لا تتوقف عند تصوير الأمثال ، وإنما تتجاوزها إلى صور أكبر ، إلى تصوير مشاهد الطبيعة المحسوسة ، وهي مشاهد أكبر من الأمثال من حيث المكان والزمان ، لأنها مشتملة عليها . فقد رأينا أن تصوير الأمثال اعتمد على الطبيعة في تشكيله الفني ، ولكن تصوير مشاهد الطبيعة أيضا يرتبط بتصوير الأمثال ، ضمن نظام العلاقات الفكرية والتصويرية والتعبيرية التي تحقق وحدة التصوير الفني في القرآن الكريم ، ووحدة تأثيره الديني أيضا ، وتتداخل مشاهد الطبيعة ، مع الأمثال ، ومشاهد القيامة ، والقصص الماضية . . . وتتفاعل معها في السياق لتحقيق الغرض الفني والديني معا ، كما سنرى في الفصل القادم .
وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 197
مساهمون: عبد السلام احمد الراغب
ص١٩٧