تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 128

مساهمون:

ص١٢٨
الضياء والظلام ، وهذه حقيقة علمية ، توحي بها الصورة ، فحين يكون ظلام في جهة ، يكون ضياء في الجهة الأخرى ، وهكذا يتجاوز الضياء والظلام في الصورة ، كما هما ملحوظان في الحركة الكونية على ظهر الأرض . وقد تعبّر الصورة عن المعاني الذهنية ، بطريقة تهكمية ساخرة كقوله تعالى :
وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ
التوبة : 34 ، وقوله أيضا :
ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذابِ الْحَمِيمِ ، ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ
الدخان : 48 - 49 ، وقوله أيضا :
قالُوا يا شُعَيْبُ أَ صَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ
هود : 87 . فالصورة هنا تعبّر عن أضدادها ، فصورة التبشير بالعذاب ، تعبّر عن الإنذار به ، وصورة الإذاقة الحسية تعبّر عن التجرّع غير المستساغ ، وصورة العزيز تعبّر عن الذليل المهان ، وصورة الحليم الرشيد تعبّر عن الغوي السفيه . وقد يقترن تصوير المعاني الذهنية بالحركة ، لتجسيم تلك المعاني بالخيال كقوله تعالى :
فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ
البقرة : 198 . فصورة الإفاضة هنا تعبّر عن نزول الحجاج من عرفات ، والصورة بتشكيلها اللغوي
أَفَضْتُمْ
، توحي بالفيض أو الفيضان ، أو كثرة الحجاج وقت نزولهم من عرفات ، على شكل أفواج متتابعة ، يجلّلها الوقار والخشوع ، بعد تعرّضها لفيض الرحمة على عرفات . ويعبّر عن حركة الناس وتدافعهم في سياق آخر ، بصورة الموج
وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْناهُمْ جَمْعاً
الكهف : 99 ، فالصورة هنا ، تعبر عن القلق والاضطراب والتدافع وهي ملائمة لحركة الناس يوم البعث من القبور أو حركة يأجوج ومأجوج عند انهدام السدّ . وإذا قارنا بين الصورتين
أَفَضْتُمْ
و
يَمُوجُ فِي بَعْضٍ
نلاحظ أن الحركة التصويرية في
أَفَضْتُمْ
توحي بالخشوع والنظام والسير في اتجاه واحد مرسوم ، بينما في
يَمُوجُ
توحي بالفوضى والتدافع مثل حركة الأمواج المتلاطمة . وتجمع الصورة إلى جانب الحركة في نقل المعاني الذهنية ، عنصر الصوت ، لزيادة التأثير والإيحاء كقوله تعالى :
وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْواحَ
الأعراف : 154 .