تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 114

مساهمون:

ص١١٤
في سبيل الله ، يعبر عنه ، بصورة مألوفة ، وهي « القرض » ، وصورة القرض ، تتواصل مع صورة البيع والشراء ، وصورة التجارة الرابحة ، فهي تنتمي إلى عالم المادة ، والتعامل اليومي للإنسان ، وتوظف هذه الصور الذهنية المستمدة من واقع الحياة ، للتعبير عن المعاني الدينية ، بصور مألوفة لدى المخاطب ، ولها رصيد في ذهنه ونفسه لتحريك خياله ، والتأثير في شعوره . قال تعالى :
مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
البقرة : 245 . والصورة الحسية هنا ، لا تعبّر عن نقل المعنى الذهني فقط ، وإنما توحي بزيادته ونمائه أيضا . وذلك من خلال اللمسات التعبيرية والنفسية في تصوير المعنى الذهني ، فالإنفاق قرض لله ، وهو تعبير لطيف يوحي للإنسان بأنه يملك الأموال وينفقها بل ويقرضها لربه قرضا حسنا ناميا ، وللخيال أن يتصور حركة الأموال النامية أضعافا مضاعفة ، من خلال هذا « التجنيس » اللفظي يضاعفه وأضعافا ، والصور الذهنية المختزنة للأموال بأنواعها ، وحركة نمائها أو تكثيرها . وتمضي الصورة في تحقيق غرضها الديني ، بتذكير الإنسان ، بأنّ الله هو الذي يملك أرزاق العباد ، وبيده قبضها وبسطها لمن يشاء ، وكيف يشاء ؟ وهاتان الصورتان للغنى والفقر ، تتقابلان في التعبير والسياق ، لتتواصلا أيضا مع صورة « الإقراض لله » لتقويتها وإنمائها في فكر الإنسان وشعوره ، ثم تأتي صورة الرجوع إلى الله ، لتثبت صورة الإقراض لله ، وتدعمها بالتوجيه المطلوب ، فهي تطهّر النفس من الشحّ ، وتدفعها إلى الإنفاق في سبيل الله بسخاء . وهكذا تتواصل الصور في السياق ، وتتفاعل . لتوضيح المعنى الذهني فيتناسق التعبير والتصوير ، والغرض الديني والفني معا . وقد كثر ورود صورة الإقراض لله في الأسلوب القرآني ، لأنها صورة حسية مستمدة من واقع حياة الناس ، ولها رصيد في أذهانهم ونفوسهم ، وهي تدلّ على المعنى الذهني ، وتجسّمه ، وتجعله محسوسا ملموسا ، يؤثّر في الفكر والنفس والخيال . من ذلك قوله أيضا :
إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعِفْهُ لَكُمْ
التغابن : 17 ،
أَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً
المزمل : 20 . وتعرض الأعمال في صورة حسية مجسّمة زيادة في إيضاحها وبيانها ، وحركة التخييل الحسية فيها . ليتفاعل معها ، الإنسان ، ويتجاوب ، جريا على طريقة القرآن الكريم في
وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 114 | عبد السلام احمد الراغب