تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 113

مساهمون:

ص١١٣
بايَعْتُمْ بِهِ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ
التوبة : 111 . وهذه الصورة رابحة مضيئة ، تقابل الصورة السابقة القاتمة والخاسرة ، وهذا الاختلاف بين الصورتين في الربح والخسارة ، يرجع إلى اختلاف السياق ، والسياق هنا يتحدث عن المؤمنين ، فالصورة صفقة تجارية رابحة ، وهناك في الآيات السابقة ، كان السياق يتحدث عن غير المؤمنين ، فكانت الصورة صفقة خاسرة . وترسم الصورة هنا كل أطراف البيع والشراء ، والبائع والمشتري ، والثمن ، فالبائع هو المؤمن ، والمشتري هو الله ، والثمن الجنة . . . ومن رحمة الله ، أن جعل الله الإنسان مالكا لنفسه وماله ، يتصرف فيهما بحرية واختيار وإرادة ، ليقبض الثمن وهو الجنة ، وإن كان الله هو المالك الحقيقي للأنفس والأموال ، ولكن القرآن الكريم يصوّر الإنسان مالكا وبائعا وقابضا للثمن ، لتكون الصورة ملائمة للواقع المنظور في الحياة ، بدلا من تصوير الغيب المستور . وتزيد الصورة في « التخييل الحسي » في قوله :
فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ
لتوحي بربح هذه البيعة إن تمّت الصفقة ، وسلّمت الأنفس والأموال لله ، وهي بيعة رابحة لا شك ، لأن الثمن غال وهو الخلود في الجنة ، بينما الأنفس والأموال إلى فناء ، فالبيع في هذه الصفقة ، هو بيع ما يفنى بما يبقى ، وهذا هو الربح الحقيقي الذي توحي به الصورة الحسية ، لتحقيق الغرض الديني من التصوير . وتتواصل هذه الصورة ، مع صورة أخرى مرتبطة بها ، وهي صورة التجارة الرابحة ، والتجارة من ملائمات البيع والشراء ، بل إنها تعدّ امتدادا طبيعيا لها في تصوير المعنى الذهني ، وزيادة في تفصيلات الصورة الحسية للمعنى يقول الله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ . . .
الصف : 10 - 11 . وتعتمد هذه الصورة على عنصر الإثارة والتشويق . من خلال النداء ، يعقبه الاستفهام المشوّق للجواب ، واستحضار صورة التجارة الرابحة ، وتحريك النفوس بها والتشويق إليها ، وتوظيف هذه الصورة الذهنية ، لتحقيق غرض ديني . وتتواصل هذه الصورة أيضا ، في علاقات سياقية أخرى ، لتدل على معان ذهنية ، فالإنفاق