تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 105

مساهمون:

ص١٠٥
لذلك ، لا بدّ من جمع الصور ضمن أنساقها الواردة فيها ، والكشف عن تواصلها وروابطها ، لكي نتبيّن دور كل صورة في نقل المعنى الديني ضمن مفهوم وحدة الفكر ، ووحدة التصوير معا . ويصوّر عهد الله وميثاقه بصورة « الحبل » الحسية ، يقول الله تعالى :
وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا ، وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها
آل عمران : 103 . وقوله هنا
وَاعْتَصِمُوا
من قبيل ترشيح الصورة بالاعتصام ، لأن الاعتصام ، من المعاني المرتبطة بالحبل ، والمعنى الذهني هنا ترسمه الصورة بالأيدي المتمسكة بعهد الله ودينه ومنهجه ، والقلوب المتآلفة المتوحّدة على منهجه بعد أن كانت أشتاتا وفرقا ، وذكر القلوب هنا له دلالته ، وذلك للإيحاء بالروابط الروحية التي هي أساس الروابط الاجتماعية ، ثم ترسم الصورة حالهم قبل الإيمان حين كانوا
عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ
فأنقذهم الله من السقوط فيها . حين هداهم إلى التمسك بحبل الله الممتد ، فتمت لهم النجاة من السقوط المرتقب في النار . وقريب من هذا قوله تعالى في تصوير اليهود
ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ
آل عمران : 112 . تصوّر هنا الذلة والمسكنة بقبة مضروبة عليهم ، لإفادة الإحاطة والشمول لهم ، فهم لا يستطيعون الانفكاك منهما إلا بحبل من الله ، وحبل من الناس ، وذكر الحبل يتناسق مع صورة القبة المضروبة عليهم ، ولكن التعبير لا يذكر القبة صراحة ، وإنما يرمز لها بقوله « ضربت » للإيحاء بها . وأحيانا لا يذكر « الحبل » صراحة في التصوير ، وإنما يذكر شيء من لوازمه وهو « النقض » زيادة في إخفاء الصورة ، لإثارة الخيال ، وتنشيطه كقوله تعالى :
الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ
البقرة : 27 . يقول الزمخشري في جمال هذه الطريقة التصويرية : « وهذا من أسرار البلاغة ولطائفها أن يسكتوا عن ذكر الشيء المستعار ، ثم يرمزوا إليه بذكر شيء من روافده ، فينبهوا بتلك الرمزة على مكانه » « 8 » .
هامش
( 8 ) الكشاف : 1 / 268 .