تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 104

مساهمون:

ص١٠٤
لتبيّن أثر كل منهما في صاحبه ، فالمؤمن هو الحي الذي يمشي في الناس بنور وهداية وبصيرة ، عارفا طريقه في الحياة ، ومحددا غايته فيها ، أما الكافر فهو الميت الذي يعيش في ضلال وخداع ، وتزيين لأعماله ، وهو لا يدري أنه يتخبط في الظلمات ، ولا يخرج منها . وقد توزّعت أجزاء الصورة هنا بتناسق عجيب للإيحاء بهذه المعاني الدينية ، فالكفر تقابله الظلمات ، والإيمان تقابله صورة النور الهادي المشعّ ، والكافر تقابله صورة الميت ، والمؤمن تقابله صورة الحياة . ثم يأتي التعقيب على التصوير بقوله :
زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ
ليزيد المعنى وضوحا ، والصورة بروزا ، فالكافرون يعيشون في تزيين أعمالهم الباطلة ، ليخدعوا أنفسهم ويخدعوا الآخرين ، وهم في حقيقتهم يعيشون في تضليل وخداع . وتمتد الصورة في سياق آخر ، ولكنها تتواصل مع الصور الأخرى في توضيح الفوارق بين من يؤمن بالوحي ، ومن لا يؤمن به ، وتجسّم هذه الفوارق في صورة حسية مدركة
أَ فَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ
الرعد : 19 . فالمؤمنون هم المبصرون ، لأنهم رأوا الحق فاتبعوه ، والكافرون هم العمي ، لأنهم لم يروا الحق مع وضوحه للأبصار وذلك لأنهم فقدوا حاسة الإبصار . ثم تأتي صورة أخرى في سياق آخر ، لتضيف فارقا جديدا ، بين المؤمن والكافر ، فالمؤمن ينظر إلى بعيد لأنه يمشي باستقامة ، والكافر قاصر النظر ، ينظر إلى قريب ، لأنه يمشي مكبا على وجهه فلا يتمكن من الرؤية البعيدة يقول الله تعالى :
أَ فَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
الملك : 22 . ثم تأتي صورة أخرى لتوضّح أن الله يخرج المؤمنين من الظلمات إلى النور ، وأن الطواغيت هم الذين يقودون الناس إلى الظلمات
اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ . . .
البقرة : 256 - 257 . فهذه الصورة أيضا تسهم في تفصيل صورة النور والظلام ، وتضيف إليها معاني جديدة ، زيادة على ما تقدم حتى يكتمل بناء الفكرة الدينية . وهكذا تتواصل الصور فيما بينها ، وتتفاعل في داخل الأنساق ضمن نظام العلاقات بين الصور حتى تقوم كل صورة بدورها في الباء التصويري المجسّد للحقائق الدينية .