تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 103

مساهمون:

ص١٠٣
يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ
البقرة : 257 . وتدل هذه الصور الحسية ، على أنّ الإيمان نور مضيء في قلب المؤمن ، يجعله ، يرى الحق ، ويتفاعل معه ، ويلتزم به ، ليحيا حياة سعيدة متوازنة ، أما الكافر ، فإنه يتخبط في الظلمات ، ظلمات الكفر والضلال ، فكأنه ميت فاقد الحس فلا يبصر نورا ولا يسمع حقا . وترد هذه الصور متقابلة في السياق ، فصورة الأعمى تقابلها صورة البصير ، وصورة الظلمات تقابلها صورة النور ، وصورة الموت تقابلها صورة الحياة وهذا التقابل في الصور ، يوجّه الإنسان إلى الإيمان والهدى لأنه نور ، وحياة ، والإنسان يميل بفطرته للحياة والنور ، ويكره الظلمات والموت ، ويحب الإبصار ، ويخشى العمى . ويلاحظ دقة التصوير للمعاني الدينية ، في استخدام كلمة النور مفردة ، وكلمة الظلمات في صيغة الجمع دائما . « وذلك للإشعار بتعدد طرق الضلال وتشعبها ، والدلالة على وضوح طريق الحق وجلائه » « 7 » . وهناك دلالة أبعد مما ذكرناه ، وهي أن هذه الصور الحسية لمعاني الإيمان والكفر ، تبين اختلاف الطبيعتين في كليهما ، كاختلاف الموت والحياة ، واختلاف الظلمات والنور ، والعمى والبصر ، والظل والحرور فالاختلاف بين الإيمان والكفر ، اختلاف جوهري ، في الأصل والطبيعة ، وليس اختلافا في المظاهر والأشكال . ثم هناك العلاقة الوثيقة بين الإيمان والنور والبصر ، والظل والحياة ، والعلاقة القوية أيضا بين الكفر والعمى ، والظلمة والحرور والموت . وبهذا يتضح الاختلاف بين الهدى والضلال ، كالاختلاف الواضح بين هذه الصور الحسية لكل منهما ، وهو اختلاف عميق وأصيل ، يمتد إلى طبائع الناس ، وأعماق النفوس ، كالاختلاف الملحوظ في البصر والعمى ، والظلمات والنور ، والظل والحرور ، والحياة والموت . ويصوّر هذا الاختلاف بين المؤمن والكافر ، أو بين الهدى والضلال ، في صورة أكثر تفصيلا وذلك في قوله تعالى :
أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ ، وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ ، كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ
الأنعام : 122 . فالصورة هنا ، لا تكتفي بتوضيح الفوارق بين طبيعة الكفر ، وطبيعة الإيمان ، وإنما تمتد ،
هامش
( 7 ) من بلاغة النظم القرآني : الدكتور بسيوني عبد الفتاح فيود . ص 26 .