تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 101

مساهمون:

ص١٠١
فالسياق هنا كلّه خوف وفزع ورهبة ، وهؤلاء الناس لا يعرفون ربهم إلا في الشدة ، لهذا فإن صورة الموج هنا تصبح ظللا ترتفع فوق الرؤوس ، حتى تكاد تطبق عليهم لتفرقهم . وشبيه بهذا قوله تعالى في تخويف اليهود :
وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ
الأعراف : 171 . فصورة الظلة هنا ، والظلل هناك ، توحيان بالإحاطة والشمول للإطباق عليهم . وأحيانا تعرض نعم الله على عباده ، في صور كونية محسوسة كقوله تعالى :
أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً ، وَالْجِبالَ أَوْتاداً ، وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجاً ، وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً ، وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً . . .
النبأ : 6 - 10 . ولكن هذه الصور الحسية المألوفة ، تتغير في يوم القيامة ، فتصوّر بصور أخرى تتناسق مع يوم القيامة ، فتعبر عن معان جديدة ، وما في يوم القيامة من أهوال مخيفة . هذا التغير في الصور الكونية المحسوسة ، فيه إيحاء للإنسان بأنّ النعم لا تدوم ، وتدفعه إلى المقارنة بين هذه الصور الكونية في الدنيا ، وصورتها في الآخرة ، وما يصيبها من دمار وفناء ، لتحقيق الأثر الديني المطلوب . يقول الله تعالى :
يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْواجاً ، وَفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أَبْواباً ، وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَراباً
النبأ : 18 - 20 . فالجبال هنا سراب ، وهو صورة وهمية . وفي سياق آخر يعبر عن زوال الجبال بصورة كثبان الرمل المهيل
يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ وَكانَتِ الْجِبالُ كَثِيباً مَهِيلًا
المزمّل : 14 ، وهذه الصورة مرتبطة بجو السياق الواردة فيه ، وكله يوحي بالثقل والتأني ، ففي السورة ورد قوله :
إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا ، إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً ، وَأَقْوَمُ قِيلًا . . .
المزمل : 4 - 8 . وفي سياق آخر تصوّر بالعهن
وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ
المعارج : 9 ، لتوحي بألوان الجبال المختلفة ويزيد هذه الصورة في موضع آخر بوصف العهن بالمنفوش
وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ
القارعة : 5 ، والصورة هنا تتناسق مع السياق المرتبطة به وفيه الفراش المبثوث ، فاقتضى ذلك وصف العهن بالمنفوش أما صورة العهن بدون وصف فتتناسق مع صورة المهل . وتصوّر الجبال الزائلة في سياق آخر بصورة الهباء المنبث
وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا ، فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا
الواقعة : 5 - 6 ، وصورة الهباء أضعف من العهن المنفوش . هذه الصور المتنوعة للجبال الزائلة ، ليست من قبيل التكرار للمعنى الذهني الواحد ،