كانت هذه المدارس غير مسؤولة ، لأنها نفذت المنهج الذي حددته الوزارة . وهكذا حاربت الظروف الينبوعين الباقيين لتخريج الحفاظ .
نتائج هذه النظم :
أما النتائج الخطرة الملموسة لهذه النظم - إن دامت - فهي :
أولا : استحالة حفظ كتاب الله على النشء الحديث ، ومعنى ذلك انقراض الحفظة بموت من يحملون القرآن من الفقهاء المرتزقة والعباد الصالحين ؛ أي أنه سيأتي على الأمة يوم تتلفّت فيه ، فلا ترى حافظا ترجع إليه إلا أوراق المصاحف ؛ بعد أن كانت الصدور عامرة بكلام الله والقلوب مستنيرة بحفظه وفهمه .
ثانيا : ضياع اللغة العربية التي ما كانت العناية بها يوما من الأيام إلا نتيجة من نتائج العناية بالقرآن الكريم .
ثالثا : نسيان المسلمين لأصل دينهم ، وقطع الصلة الحقيقية بينهم وبين كتاب الله ، وانهدام ركن عظيم من أركان حياتهم الدينية والاجتماعية والعلمية .
إن دام هذا ولم يحدث له غير * لم يبك ميت ولم يفرح بمولود
وبرهان ذلك الاستنباط عمليّا ، أنه كان يتقدم إلى لجان القرعة العسكرية في كل مركز من مراكز القطر عدد عظيم ممّن يحفظون كتاب الله فيعفون من دفع بدل الخدمة . وفي السنوات الأخيرة أخذ هذا العدد يتناقص تناقصا عظيما ، حتى بلغت الحال أنه في بعض المراكز - ومنها مركز كفر الدوار ( بحيرة ) - لم يتقدم في هذا العام أحد البتة للمعافاة بالقرآن الكريم ، والإحصاءات الرسمية والأرقام المحفوظة بوزارة الحربية أعدل شاهد على ذلك .
ولو أنك سألت حضرات الذين يمتحنون طالبى الدخول في مدارس اللغة والدين - كالأزهر الشريف والمعلمين الأولية - عن مبلغ حفظ الطلبة المتقدمين للقرآن ، وأجابك هؤلاء بصراحة لقضيت العجب من إهمال الناشئة الحديثة لحفظ كتاب الله .
ولئن دام ذلك فإنّ اليوم الذي ينزع فيه القرآن من الصدور ، ويمحى من السطور أصبح قريبا .