هل ترى في هذا النشيد إلا وضوحا في الغاية ، وحلاوة في اللفظ ، وبراءة من التكلّف ، واعتزازا بالإيمان ، وإعلانا للرجولة ، وتقريرا للدعوة ، وترحيبا بالجوار الكريم صلى اللّه عليه وسلم .
هكذا تكون الأناشيد التي تمثل صفاء روح الأمة ، وتبعث في قلوب بنيها الغايات النبيلة ، ودعونا من خنوثة مدنية القرن العشرين وما فيها من خلاعة وفجور .
واستقرّ به صلى اللّه عليه وسلم المقام في مدينته المؤمنة ، وأخذ ينظر في تنظيم شؤون دعوته الشاملة في هذا المقر الجديد ، يؤازره في ذلك توفيق من اللّه عجيب وشديد ، وتأييد وإرشاد سام من الملأ الأعلى يغدو به جبريل ويروح بين السماء والأرض .
هؤلاء الأنصار سكان يثرب وأهل السابقة فيها قد وجد بين قلوبهم الدين الجديد ، فدفنوا الخصومات والأحقاد ، وأذهب اللّه عنهم عبية الجاهلية وحميتها الطائشة ، فأصبحوا بنعمة اللّه إخوانا .
وهؤلاء المهاجرون قد وجدوا في ظل محبة إخوانهم الأنصار وما غمروهم به من عواطف الإخلاص العميق والتكرم البالغ ما أنساهم مرارة الاغتراب ، وغضاضة هجرة الأهل والخلان ، فوجدوا في ظلال النخيل من يثرب المباركة أرضا بأرض وخلانا بخلان ، وحبّب اللّه إليهم المدينة ، وأذهب عنهم وباءها ولأواءها ، فكملت لهم النعمة ، وتجمّعت لهم أسباب الوحدة
هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ ( 62 ) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
[ الأنفال : 62 ، 63 ] .
ولكن إلى جانب هذا الصف المنتظم ، وبجوار تلك الكتيبة المؤمنة مواطنون آخرون لهم حقّ الجوار ، وحقّ الإقامة ، وحقّ الشركة في المصالح والأرضين والأموال ، أولئك هم يهود يثرب من بني قريظة وبنى النضير وبنى قينقاع وعلى بعد منهم يهود خيبر وما والاهم .
هؤلاء اليهود الذين يعتزّون بانتسابهم إلى نبي اللّه إسرائيل [ يعقوب عليه السلام ] ، ويفخرون بما ورثوا من تعاليم موسى وهارون ويترفعون عن الناس بأنهم شعب اللّه المختار ، ويفضلون عرب الجزيرة في الثقافة والتعليم والمال ، وقد نظّموا أنفسهم كعادتهم في منزل ينزلونه تنظيما يكفل لهم أن يعيشوا في كل أمة وهم عنها غرباء ، وأن ينتهزوا كل فرصة