وإنما هو داء وبيل ، وخلق ضعيف ، فهم يجرون على غرار طبيعتهم ، ويسيرون وفق غريزتهم ، جبلوا على الشر ، وطبعوا على الأذى ، وويل لمن جعله مفتاحا للشرّ ، مغلاقا للخير .
ووصفهم بأنهم يحلفون على الكذب ، مع علمهم بأنهم كاذبون عن غير خطأ أو نسيان ؛ إنما هو جبن وخور يحملهم على التنصّل من تبعة ما ارتكبوا وعدم الثبات على ما قالوا ، فهم قد جمعوا إلى خيانة النقل وتحريف القول كذب اليمين ، وفقدان الشجاعة الأدبية ، والهروب من التبعة ، ووصفهم بأنهم يتخذون هذه الأيمان الكاذبة وقاية من الجزاء العاجل ، وحاضرا دون احتمال العقوبة الحاضرة ، وهم بذلك يصدون عن سبيل اللّه ، ويحاربون اللّه ورسوله ، إذ حسبوا أن هذه الأيمان تنجيهم من عذاب اللّه ؛ كأنهم لما وجدوا سبيل الهرب وستر أعمالهم وفهموا أن هذه الأيمان تصلح لذلك ، اندفعوا في طريق الصدّ عن سبيل اللّه ، والعدوان على نبيه الكريم صلى اللّه عليه وسلم .
ووصفهم بتأصّل هذه الخصال في نفوسهم ، حتى إنهم يوم القيامة يحاولون أن يخدعوا ربهم في الآخرة ، وهي دار الحق بما كانوا يحاولون أن يدفعوا بهم عن أنفسهم في دار الدنيا ، فيحلفون بالباطل كما كانوا يحلفون للرسول صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه ، ونسوا أن الآخرة دار الحساب ودار كشف المخبّئات ، وإظهار السيئات والحسنات ، يوم تبلى السرائر فتجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء ، تود لو بينها وبينه أمدا بعيدا ، فاعجب لخادع يخدع نفسه .
ثم ذكر الحق تبارك وتعالى أن هؤلاء إنما حلّ بهم هذا الوبال من طريق واحد ، هو أنهم أسلموا للشيطان قلوبهم ، ومكنوه من نفوسهم فاستولى عليهم ، وتخلل مسالك أرواحهم ، وتمكن من أفئدتهم فكانوا حزبه وشيعته ، فزين لهم بالباطل وحسّن لهم القبائح وحال بينهم وبين التفكير في رقابة الحق عليهم ، والتفكير في آياته بين يديهم ، وليس للقلب إلا وجهة واحدة فإذا مكنت فيه للشيطان هجره ذكر الرحمن ، وإذا ملأته بمعرفة الرحمن فارقته لمّة الشيطان ، فالأولون ينطبق عليهم قول الحق تبارك وتعالى :
وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ
[ الزخرف : 36 ] ، والآخرون ينطبق عليهم قوله تعالى :
إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلًا
[ الإسراء : 65 ] .