استغنى به المؤمن عن كل أعراض الحياة فضحى بها في سبيله . ولن تكون التضحية إلا حيث يكون الإيمان . سنة اللّه ولن تجد لسنة اللّه تبديلا . وجزاء هؤلاء القوم المؤمنون عند اللّه عظيم ، فهم حزبه المنتسبون إليه ، المقربون لديه ، يؤيدهم بنصره ويمدهم بروحه ويسددهم بتوفيقه ويصلح لهم دنياهم بنعمته ، ولهم بعد ذلك في الآخرة جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها ، ويعوضهم عن فقدان العشائر والأنصار رضاه عنهم ورضاهم عنه ، وما وجد شيئا من فقده ، وما فقد شيئا من وجده .
إذا صح منه الود فالكل هيّن * وكل الذي فوق التراب تراب
« 1 » وهكذا ترى الجزاء من جنس العمل ، قوما يتركون في سبيل اللّه آثارهم وإخوانهم وعشيرتهم وأولياءهم فيكون اللّه لهم وليّا :
اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ
[ البقرة : 257 ] .
كتب معاوية إلى عائشة رضي اللّه عنها : أن اكتبى لي كتابا توصيني فيه ولا تكثرى علىّ ، فكتبت عائشة إلى معاوية : سلام عليك ، أما بعد ، فإني سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : " من التمس رضا اللّه بسخط الناس كفاه اللّه مؤنة الناس ، ومن التمس رضا الناس بسخط اللّه ، وكله اللّه إلى الناس ، والسلام عليك " رواه الترمذي « 2 » .
وكان من دعائه صلى اللّه عليه وسلم فيما يرويه الديلمي من طريق الحسن بن معاذ " اللهم لا تجعل لفاجر ولا لفاسق يدا ولا نعمة ، فيوده قلبي ، فإني وجدت فيما أوحى إلى :
( لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ )
« 3 » .
هامش
( 1 ) من الشائع بين الناس أن هذه الأبيات لرابعة العدوية ، وليس بصواب ، ولكن الأبيات لأبى فراس الحمداني يمدح سيف الدولة ، وقد رأى العلماء أن هذه العبارات لا يليق أن يخاطب بها بشر ، إنما يصلح أن يخاطب بها اللّه عز وجل ، ولذا نسبت - بغير صواب - إلى رابعة العدوية . انظر : محاضرة : ( إنسان سورة العصر ) للدكتور يوسف القرضاوى بتحقيقنا . تحت الطبع .
( 2 ) رواه الترمذي ( 2414 ) وابن حبان ( 276 ) و ( 277 ) المرفوع منه فقط عن عائشة رضي اللّه عنها .
وصححه الألبانى في " صحيح الترمذي " ( 1967 ) وفي العقيدة الطحاوية ( 278 ) وحسنه شعيب الأرناءوط في " صحيح ابن حبان " ( 1 / 510 ، 511 ) .
( 3 ) ذكره الغزالي في الإحياء ، وقال العراقي : أخرجه ابن مردويه في التفسير من رواية كثير بن عطية عن رجل لم يسم ، ورواه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث معاذ وأبى موسى المديني في كتاب :
تضييع العمر والأيام مرسلا ، وأسانيده كلها ضعيفة . انظر : الإحياء ( 2 / 149 ) .