قم يا فلان ، وأنت يا فلان ، فلم يزل يقيمهم بعدة النفر الذين هم قيام بين يديه من المهاجرين والأنصار أهل بدر ، فشقّ ذلك على من أقيم من مجلسه ، وعرف النبي صلى اللّه عليه وسلم الكراهة في وجوههم « 1 » . فقال المنافقون : ألستم تزعمون أن صاحبكم هذا يعدل بين الناس ؟ والله ما رأيناه قبل عدل على هؤلاء ، إن قوما أخذوا مجالسهم وأحبوا القرب من نبيهم فأقامهم وأجلس من أبطأ عنه « 2 » . فبلغنا أنّ رسول الله صلى اللّه عليه وسلم قال : " رحم الله رجلا يفسح لأخيه " فجعلوا يقومون بعد ذلك سراعا فيفسح القوم لإخوانهم ، ونزلت هذه الآية يوم الجمعة . رواه ابن أبي حاتم .
وقال أبو العالية والقرظي والحسن : وروى عن ابن عباس : أن الآية في مجالس القتال والحرب ، كان الرجل يأتي القوم في الصف فيقول : توسّعوا ، فيأبون عليهم لحرصهم على القتال ورغبتهم في الشهادة ، فأنزل اللّه الآية الكريمة « 3 » .
والأول أشهر وأرجح . والآية تحتملهما معا ، وتحتمل غيرهما من معاني الشركة في الخير ، وإفساح المجال فيه للمؤمنين والمبادرة إليه « 4 » .
[ شرح الآيات ]
ويكون معنى الآية الكريمة على هذا : يا أيها الذين آمنوا إذا طلب إليكم إخوانكم أن تتفسحوا في المجالس وتوسّعوا لهم فيها ، فاسمعوا لهم ومكّنوهم من ذلك ، وراعوا المنازل والأقدار ، فقدّموا أهل الإيمان والعلم أولا ، ثم من يليهم ، وأنزلوا الناس - في ذلك - منازلهم . واللّه بما تعملون خبير .
وتكون الآية حينئذ إقرارا للرسول صلى اللّه عليه وسلم على فعله من إقامته للمسبوقين ، وإذنه لأولى السابقة من البدريين باحتلال أمكنتهم ، وعلى ذلك يكون من حقّ الرئيس أو الكبير أن يأمر بهذا من هم أقل منه في مجلسه .
هامش
( 1 ) انظر : الدر المنثور ( 6 / 271 ) .
( 2 ) انظر : تفسير القرطبي ( 17 / 297 ) .
( 3 ) انظر : تفسير الطبري ( 12 / 18 ) وتفسير البغوي ( 8 / 58 ) .
( 4 ) ذهب الطبري إلى هذا الترجيح وإلى الجمع أيضا انظر : تفسير الطبري ( 12 / 18 ) ، والقرطبي كذلك ، انظر : تفسير القرطبي ( 17 / 297 ) .