السابقة بعد أن بيّن أن سرّ ذلك الانتقام هو الانحراف عن دين اللّه ، وإهمال شريعته ، والمخالفة عن أمره ، مما يؤدى إلى غضب اللّه تبارك وتعالى وحلول اللعنة على هذه الأمة ، كما قال تعالى :
لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ ( 78 ) كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ
[ المائدة : 78 ، 79 ] ، وكما قال تعالى :
وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ
[ النحل : 112 ] .
فإذا فاءت هذه الأمم إلى ربها ورجعت إلى دينها ، أدال « 1 » اللّه لها من أعدائها ورد عليها عزتها ، وأزال عنها آلامها وأوصابها « 2 » ، كما قال تعالى :
فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً ( 10 ) يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً ( 11 ) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً
[ نوح : 10 - 12 ] بعد أن قال تعالى :
وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ
[ الأعراف : 96 ] .
ب - بيان أن انتقام الحق تبارك وتعالى ممن يعصونه ويحادونه ليس قاصرا على الدنيا ، ولكن الحق تبارك وتعالى يحصيه عليهم ، ويبعثهم يوم القيامة فيخبرهم بأعمالهم ويحاسبهم عليها ، ويعذبهم بها عذابا شديدا مهينا ، ويذكرهم بما كان من أعمالهم ، والحق تبارك وتعالى منزّه عن الغفلة والنسيان ، وفي الحديث الشريف : " البرّ لا يبلى ، والذنب لا ينسى ، والديّان لا يموت ، كما تدين تدان " « 3 » .
هامش
( 1 ) أي أعاد اللّه لها الكرّة على عدوها بالنصر ، أو : أمكنها اللّه من الغلبة من عدوها .
( 2 ) أوصاب : جمع وصب ، والوصب هو : الوجع والمرض . انظر : لسان العرب مادة ( وصب ) .
( 3 ) قال الإمام العجلوني في تخريجه : رواه أبو نعيم والديلمي عن ابن عمر رفعه . وأورده ابن عدي أيضا في الكامل ، وفي سنده ضعيف ، وقال في اللئالئ : رواه البيهقي في كتاب الزهد والأسماء والصفات عن أبي قلابة . ثم قال : هذا مرسل . ورواه ابن عدي في الكامل من حديث محمد بن عبد الملك الأنصاري المدني عن ابن عمر عن النبي صلى اللّه عليه وسلم ، ثم ضعف محمد بن عبد الملك . وأخرجه عبد الرزاق في جامعه عن أبي قلابة رفعه مرسلا ( 20262 ) ، ووصله أحمد في الزهد ، لكن جعله من قول أبى الدرداء ، ولابن أبي عاصم في السنة بسند فيه وضاع عن أنس في حديث أنه قال : يا موسى كما تدين تدان . وفي الحلية عن يحيى بن أبي عمرو الشيباني أنه قال : مكتوب في التوراة : كما تدين تدان وبالكأس الذي تسقى به تشرب . وفي التنزيل( مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ ). انظر : كشف الخفاء للعجلوني ( 2 / 126 ) . ورواه ابن أبي شيبة ( 8 / 167 ) والبيهقي في " الشعب " ( 10664 ) عن أبي الدرداء موقوفا . وضعفه الألبانى في « ضعيف الجامع الصغير " برقم ( 2369 ) وفي السلسلة الضعيفة برقم ( 1576 ) . وهو من أمثال العرب ، انظر : مجمع الأمثال ( 2 / 132 ) . وقد ذكره الإمام البنا من قبل عند تفسيره لقوله تعالى :( مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ )من سورة الفاتحة بدون نسبته للنبي صلى اللّه عليه وسلم ، ولكنه هنا ذكره على أنه حديث .