ندم على ما قال . وكان الظهار والإيلاء من طلاق الجاهلية ، وذلك أول ظهار وقع في الإسلام . ثم ندم على ذلك ومنعته نفسها حتى يحكم اللّه ورسوله فيهما بحكمه ، وتحرّج هو فقال لها : ما أظنك إلا قد حرمت علىّ . فجمعت عليها ثيابها وأتت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقالت : يا رسول اللّه إنّ زوجي أوس بن الصامت تزوجني وأنا شابّة غنيّة ذات مال وأهل ، حتى إذا أكل مالي ، وأفنى شبابي ، وتفرّق أهلي ، وكبر سنى : ظاهرنى وقد ندم ، فهل من شئ يجمعني وإياه تنفّسنى به ؟ فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : حرمت عليه .
فقالت : يا رسول اللّه والذي أنزل عليك الكتاب ما ذكر طلاقا ، وإنه أبو ولدى وأحب الناس إلىّ . فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : حرمت عليه . فقالت : أشكو إلى اللّه فاقتي ووحدتي ، قد طالت صحبتي ، ونفضت له بطني . فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : ما أراك إلا قد حرمت عليه ولم أومر في شأنك بشيء . فجعلت تراجع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وكلما قال لها : حرمت عليه ، هتفت وقالت : أشكو إلى اللّه فاقتي وشدة حالي . وإنّ لي صبية صغارا إن ضممتهم إليه ضاعوا ، وإن ضممتهم إلىّ جاعوا ، وجعلت ترفع رأسها إلى السماء وتقول : اللهم إني أشكو إليك . اللهم فأنزل على لسان نبيّك فرجى . فأنزل اللّه الآيات الكريمة :
( قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ )
الآيات « 1 » .
فعلم من هذا سبب نزول الآية الكريمة ، وإليك بعض ما فيها من عظيم الفوائد ، ونبيل المقاصد ، وجليل العبر والعظات :
[ مكانة المرأة في الإسلام ]
1 - في الآية إشادة بمنزلة المرأة في الإسلام ، وكيف أنها كانت من عظيم المنزلة ، وشرف القدر ما يجعلها تقف أمام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم تجادله وتحاوره وتبادله الحجة بالحجة ، حتى إن القرآن يستدل في شأنها ، ويستجيب الحق لندائها ، وتكون قضيتها صدر سورة من كتاب اللّه خالدة ما بقيت السماوات والأرض ، رضى اللّه عن أم المؤمنين عائشة إذ
هامش
( 1 ) رواه أحمد ( 7 / 560 ) وأبو داود ( 2214 ) وابن حبان ( 4279 ) والبيهقي في " السنن " ( 11 / 320 ) والطبراني في " الكبير " ( 1 / 225 ) و ( 24 / 247 ) عن خولة بنت ثعلب رضي اللّه عنها . والبيهقي في " السنن " ( 11 / 309 ) والطبراني في " الكبير " ( 11 / 211 ) عن ابن عباس رضي اللّه عنهما . وحسنه الشيخ الألبانى في " صحيح سنن أبي داود " برقم ( 1934 ) .