الناس ، ويضبط من يأتي بالمخالفات منهم ، حتى لا تكون إباحة السعاية سبيلا إلى الانتقام والإضرار ، وتربية للأمة على خلق من الأخلاق الرديئة ، أما إذا طلب إليه أن يؤدى الشهادة فيما علم ، فمن واجبه ألا يستر فإنه حينئذ يخدم الحق ويعين على إظهاره .
[ متى تباح الغيبة ؟ ]
وقد أجمع المسلمون على حرمة الغيبة إلا في بعض المواطن ، كموطن المشورة والنصح ، فمن واجب المستشار أن يقول ما يعلم ، كقوله صلى اللّه عليه وسلم لفاطمة بنت قيس حين استشارته صلى اللّه عليه وسلم وقد خطبها معاوية وأبو الجهم : " أما معاوية فصعلوك ، وأما أبو الجهم فلا يضع عصاه عن عاتقه " « 1 » وهي في غير مثل هذا الموطن من المواطن التي ترجح فيها المصلحة على المفسدة كبيرة من أفظع الكبائر وأغلظها .
ومن واجب المسلم : أن يرد غيبة أخيه ويدافع عنه ، وألا يتركه غرضا لسهام الطاعنين ، وهدفا لرماية المغتابين .
روى الإمام أحمد بسنده عن [ سهل بن معاذ بن ] أنس الجهني عن أبيه عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : " من حمى مؤمنا من منافق يعيبه : بعث اللّه تعالى إليه ملكا يحمى لحمه يوم القيامة من نار جهنم ، ومن رمى مؤمنا بشيء يريد شينه : حبسه اللّه تعالى على جسر جهنم حتى يخرج مما قال " « 2 » .
ثم إنّ اللّه تبارك وتعالى ختم الآية الكريمة بتخويف المسلمين من بطشه وجبروته ، وإرشادهم إلى اتقاء سطوته بطاعته وبالمبادرة إلى التوبة من هذه الخصال ، وبشّرهم بأنه تعالى توّاب رحيم ، يقبل من تاب إليه ، وندم على ماضيه ، وأحسن في مقتبله .
هامش
( 1 ) رواه أحمد ( 7 / 561 ) ومسلم ( 1480 ) والترمذي ( 1135 ) وابن ماجة ( 1869 ) والدارمي ( 2 / 135 ) والبيهقي في " السنن " ( 10 / 350 ) عن فاطمة بنت قيس رضي اللّه عنها . ومعنى صعلوك :
أي فقير ، انظر : مختار الصحاح ص 363 . ومعنى : لا يضع عصاه عن عاتقه : أي كثير الضرب للنساء .
( 2 ) رواه أحمد ( 3 / 441 ) وأبو داود ( 4883 ) والطبراني في " الكبير " ( 20 / 433 ) وأبو نعيم في " الحلية " ( 8 / 188 ) والبيهقي في " الشعب " ( 7631 ) عن معاذ بن أنس الجهني رضي اللّه عنه . وضعف إسناده محققو المسند ( 24 / 406 ، 407 ) حديث رقم ( 15649 ) . وصحح إسناده الشيخ الألبانى في " صحيح أبى داود " ( 4086 ) . وقد ذكر الإمام البنا الحديث بلفظ : يغتابه ، بدل يعيبه ، وبلفظ : يريد سبه ، بدل يريد شينه ، وهي رواية الطبراني وليس أحمد ، وقد صوبتهما من مصادر الحديث .