تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظرات في كتاب الله — صفحة 365

مساهمون:

ص٣٦٥
3 - إن هذا لم يمنع القرآن الكريم من أن يتعرض لكثير من النواميس الدقيقة في هذه العلوم إرشادا للخاصة من الناس ، وإثباتا لنسبة هذا الكتاب الكريم إلى العليم الحكيم . 4 - كان أسلوب القرآن في التكلم عن هذه المظاهر الكونية أسلوبا معجزا حقا . . فيه إجمال ، وفيه دقة ، وفيه وضوح إلى جانبهما ، فهو يرضى النفس الفطرية ، كما يشبع الفكرة نهمة العلمية ، كما لا يمكن أبدا أن يصطدم في مرونته وسعة معاني ألفاظه بنتائج البحث العلمي أيا كان في أي عصر من العصور ، وهذا من أبلغ وجوه إعجاز القرآن « 1 » . 5 - إن القرآن بهذا الأسلوب فارق ما في أيدي الناس مما يزعمونه التوراة والإنجيل ، فقد امتلأت بالتفريعات الدقيقة لهذه العلوم ، والتفصيلات الشاملة للتحدث عن كل مظاهر الكون والتصوير المادي لكل ما فيه ، فكانت نتيجة ذلك أن اصطدمت هذه الصور والأحكام بنتائج البحوث العقلية الثابتة ، فسقطت قيمتها العلمية في نظر الكونيين سقوطا لا قيام لها بعده ، وكانت عن ذلك الخصومة الحادة التي ذهب ضحيتها كثير من العلماء أمثال جاليليو وغيره ، وانتهت بأن قبع الدين في زوايا الكنائس والأديرة « 2 » ، وليس في القرآن الكريم شئ من هذا كله ، وهو قد ساير العلوم والمعارف منذ نزل على قلب محمد صلى اللّه عليه وسلم فأشرقت الدنيا بنوره إلى الآن ، فلم يصدم بنظرية علمية صحيحة ، ولم يخالف حقيقة كونية ثابتة ، ولم يأته الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، لأنه تنزيل من عزيز حكيم . 6 - والنتيجة من هذا البحث : أنه لا يصح للمسلم أن يعترض نصوص القرآن بنتائج هذه العلوم ، فإن من هذه النتائج ما لم يثبت بعد ، ومنها ما توهم العقل البشرى ثبوته في عصر ، ثم نقضه أشنع النقض في عصر آخر ، وتلك طبيعة الترقي العلمي كما سترى في الفصل الذي يلي هذا ، وفي التفسير الذي يجمع بين الإيمان بالنص وإرضاء البحث الصحيح مندوحة ، بل مخارج كثيرة ، هذا من جهة . ومن جهة أخرى فلا يجوز
هامش
( 1 ) يراجع في الدلائل على ذلك كتاب : ( التوراة والإنجيل والقرآن والعلم ) لموريس بوكاى ، و ( الإسلام في عصر العلم ) لمحمد أحمد الغمراوى . ( 2 ) بل أدى ذلك إلى نشوء العلمانية المنادية بفصل الدين عن الحياة ، ووقع المغفلون من بنى جلدتنا فأتوا بتلك البضاعة العفنة ظانين أن الإسلام كالديانات الأخرى في موقفه من العلوم والاكتشافات ، وشتان بين الإسلام وبين هذه الديانات المحرفة . يراجع في نشأة العلمانية ودخولها بلاد الإسلام كتاب : ( مذاهب فكرية معاصرة ) للأستاذ محمد قطب ، و ( العلمانية والإسلام وجها لوجه ) للدكتور يوسف القرضاوى .