تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظرات في كتاب الله — صفحة 368

مساهمون:

ص٣٦٨
تطور المعارف الإنسانية الكونية وقصور العقل البشرى عن إدراك حقائق النواميس الطبيعية في كلام طويل نقتطف منه ما يلي : « كل نظرياتنا العلمية العظيمة ليست بقديمة العهد . . لأن تاريخ العلم التجريبى المحقق لا يصعد إلى أبعد من ثلاثة قرون ، وفي هذا العهد القريب قربا نسبيا حدث دوران مختلفان من أدوار التحول في أفكار العلماء . فالدور الأول كان دور الثقة والاعتقاد ، فكانت فيه المقررات الفلسفية والدينية وهي قواعد مدركاتنا القديمة عن الوجود تضمحل وتزول ببطء أمام المكتشفات العلمية التي تتوالى يوميا ولا سيما في النصف الأول من القرن الماضي ، وكان يظن مؤسسو كل علم جديد أنهم متى أتموا بناء الصرح العلمي استمر هذا الصرح قائما على أنقاض أوهام الزمان الماضي فكانت العقيدة العلمية في هذا الدور على غاية تمامها . دامت هذه العقيدة في المقررات الكبرى للعلم العصرى حافظة لقوتها ، إلى أن حدثت في الأيام الأخيرة مكتشفات غير منتظرة قضت على الفكر العلمي أن يكابد من الشكوك في نتائج بحثه ما كان يعتقد أنه قد تخلص منه أبد الآبدين . فإن الصرح الذي كان لا يرى صدوعه إلا عدد قليل من العقول العالية تزعزع فجأة بشدة عظيمة ، فصارت التناقضات والمحالات التي فيه ظاهرة للعيان بعد أن كانت من الجفاء بحيث تكاد لا تبلغها الظنون . أدرك الناس على عجل أنهم كانوا مخدوعين وأسرعوا يتساءلون : عما إذا كانت الأصول المكونة للمقررات اليقينية لمعارفنا الطبيعية لم تكن إلا فروضا واهية تحجب تحت غشائها جهلا لا يسبر له غور ؟ فحدث في إدراك المقررات العلمية مثل ما حدث قبل ذلك للعقائد الدينية « 1 » عندما شرعوا في مناقشتها الحساب ، فبدأت ساعة الانحطاط ثم تلاها دور الزوال والنسيان . لا مشاحة في أن الأصول التي كان العلم يختال بها اختيالا لم تزل كل الزوال ، بل هي ستبقى أمدا طويلا في نظر الدهماء كحقائق مقررة وستستمر الكتب الابتدائية على نشرها ، ولكنها قد فقدت كل ما كان لها من الإجلال في نظر العلماء الحقيقيين .
هامش
( 1 ) يقصد المؤلف العقائد الدينية عندهم ، وإلا فإن عقائد الإسلام قد سايرت العلم في كل عصر ، فلم تضعف أمامه وقد بينا سر ذلك في الفصل السابق . ( محمد فريد وجدى ) .
نظرات في كتاب الله — صفحة 368 | حسن البنا