ذلك أمر طبيعي ، فإن هذا العقل السائح في ملكوت اللّه لا يستطيع أن يكشفه جملة ، ولا أن يصل إلى مكنوناته طفرة ، فهو لا بد أن يبلغ المدة التي كتبها اللّه له باحثا منقبا « 1 » ولا بد أن يصل إلى الحقائق متدرجا ، ولا بد أن يخطئ مرة ويصيب أخرى ، فيتلقى عن الخطأ درسا ، ويكشف بالصواب حقيقة ، وهكذا دواليك ، على أن العقل مهما بلغ من الكمال فهو لم يصل بعد إلى حقيقة شيء من الأشياء ، إنما كل ما ظفر به بعض العوارض والصفات التي تنفع الناس ؛ أما حقائق البسائط المجردة فهو لم يصل إلى شئ منها بعد . وأغلب الظن أن ذلك ليس من شأنه ، ولا مما يعنيه ، وإنما هو سر الخلق الذي استأثر اللّه بعلمه .
وإليك بعض أقوال علماء الكون في ذلك نستفتحها بقول الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده في « رسالة التوحيد » في هذا المقام .
« إذا قدرنا عقل البشر قدره وجدنا غاية ما ينتهى إليه كماله إنما هو الوصول إلى معرفة عوارض بعض الكائنات التي تقع تحت الإدراك الإنسانى حسا كان أو وجدانا أو تعقلا ، ثم التوصل بذلك إلى معرفة مناشئها ، وتحصيل كليات لأنواعها ، والإحاطة ببعض القواعد لعروض ما يعرض لها ، وأما الوصول إلى كنه حقيقته فمما لا تبلغه قوته ، لأن اكتناه المركبات إنما هو باكتناه ما تركبت منه ، وذلك ينتهى إلى البسيط الصرف وهو لا سبيل إلى اكتناهه بالضرورة ، وغاية ما يمكن عرفانه منه هو عوارضه وآثاره .
خذ أظهر الأشياء وأجلاها كالضوء . . . قرر الناظرون فيه أن له أحكاما كثيرة حصلوها في علم خاص به ولكن لم يستطع ناظر أن يفهم ما هو ؟ ولا أن يكنه معنى الإضاءة نفسها ، وإنما يعرف من ذلك ما يعرف كل بصير له عينان وعلى هذا القياس » اه .
وتحدث الفيلسوف الفرنسي « 2 » ( جوستاف لوبون ) « 3 » في كتابه ( تحول المادة ) عن
هامش
( 1 ) مفتشا وكاشفا .
( 2 ) هذه الشواهد منقولة من كتاب ( على أطلال المذهب المادي ) للأستاذ محمد فريد وجدى ( البنا ) .
والكتاب من تأليف كاميل فلا مريون ، وقد عربه الأستاذ محمد فريد وجدى ، وطبعته مطبعة دائرة معارف القرن العشرين سنة 1346 ه - 1927 م .
( 3 ) طبيب وعالم اجتماعي فرنسى منصف ، وهو من رواد علم الاجتماع ، ولد عام 1841 م ، وتوفى عام :
1931 م ، كتب عدة كتب مهمة ، منها : ( حياة الحقائق ) ومنها - وهو أهمها - كتابه : ( حضارة العرب ) أنصف فيه العرب المسلمين ، وبين أن ما يكتبه المستشرقون المتعصبون من نفى التحضر عن المسلمين ، ليس له سند تاريخي .