ومنها : ما يجب علينا للخالق العظيم الذي أودع فطرنا الشعور بسلطانه ، وهدى قلوبنا إلى الإيمان به بما نراه من آياته في الآفاق وفي أنفسنا ، فإن هذا الشعور وهذه الهداية مبهمان لا سبيل لنا إلى تحديدهما من حيث ما يجب اعتقاده في اللّه تعالى ، وفي حكمة خلقنا ومراده منا ، وما يتبع ذلك من أمر مصيرنا ، ومن حيث ما يجب له من الشكر والعبادة ، وهذا مما لا سبيل إلى معرفته بطريق صناعي أو كسب بشرى ، فقد وقعت الأمم في الحيرة والخطأ في مسائله لجهلهم بالصلة والنسبة بين المخلوق والخالق ، فمنهم من وصفه تعالى بما لا يصح أن يوصف به . ومنهم من توهم أن أعمالنا تفيده أو تؤلمه ، وأنه ينعم علينا أو ينتقم منا بالمصائب لأجل ذلك . ومنهم من توهم أن الحياة الآخرة تكون بهذه الأجساد ، والجزاء فيها يكون بهذا المتاع ، فاخترعوا الأدوية لحفظ أجسادهم ومتاعهم « 1 » .
وإذا كان الإنسان عاجزا عن تحديد ما يجب عليه ويحتاج إليه من الإيمان باللّه وبالحياة الأخرى ، وما يجب عليه في الحياة الأولى شكرا للّه واستعدادا لتلك الحياة ، لأن الحواس والعقل لا يدركان ذلك ، فلا شك أنه محتاج إلى عقل آخر يدرك به ما يعوز أفراده من هذه الأمور وهذا العقل هو النبي المرسل . وهذا هو ( القسم الرابع ) .
وبقي ( قسم خامس ) وهو : ما يستطيع العقل البشرى إدراك الفائدة منه ، ولكنه عرضة للخطأ فيه دائما ، لما يعرض له من الأهواء والشهوات التي تلقى الغشاوة على الأبصار والبصائر ، فتحول دون الوصول إلى الحقيقة ، أو تشبه منافع الضار وتلبس الحق بالباطل .
ومثال ذلك : السعاية ، يدرك العقل ما فيها من الضرر والقبح ، ولكنه إذا رأى لنفسه فائدة من السعاية لشخص يزينها له هواه ، ويراها حسنة من حيث هو يخفى عليه ضررها لذاتها . وكذلك شرب الخمر والحشيش قد يعرف الإنسان مضرتهما في غيره ، ولكن الشهوة تحجبه عن إدراك ذلك في نفسه فيؤثر حكم لذته على حكم عقله الذي ينهاه عن كل ضار ، فصار محتاجا إلى معلم آخر ينصر العقل على الهوى ، ووازع يكبح من جماح الشهوة ليكون على هدى .
هامش
( 1 ) والذي يؤخذ على هؤلاء قصور إدراكهم عن إمكان الإعادة بعد التحليل في الأجساد ، والمساواة بين نعيم الدنيا والآخرة مع أنه لا نسبة بينهما فنعيم الآخرة أجل وأعظم من أن يقاس بهذا المتاع الغالي مهما بالغ بالناس في المحافظة عليه . ( البنا ) .