حينذاك مجرد صدقة ونفقة يتقدم بها المؤمن بحسب ظروفه والفائض من ضرورياته لتنفق على إخوانه من المحتاجين ، ولم يكن لها قدر محدّد ولا مصرف محدّد كذلك ، وفي السنة الثانية من الهجرة حدد مقدارها ومصارفها ونظمت جبايتها ، فسبق إلى ذهن الكثير أنها إنما فرضت في السنة الثانية من الهجرة ، وكان هذا التدرّج في التشريع طبيعيّا ، فإن جباية الزكاة من مهمة الحاكم أولا ، ولم يكن ثمّ حاكم إسلامي بمكة ، حتى إذا استقرّ الأمر في المدينة وقامت فيها الحكومة الإسلامية الأولى كان طبيعيّا أن يكون من تمام مهمتها أن ينظم الله هذه الناحية الهامة للناس .
[ مصارف الزكاة ]
[ 1 ، 2 - الفقراء والمساكين ]
وتصرف الزكاة لثمانية أصناف هم هؤلاء ، وهما صنفان لجنس واحد هو أهل الحاجة .
الفقراء والمساكين : هم المحتاجون وذوو الفاقة ، إلا أن الفقير هو الذي تكون حاجته وفاقته عن ضيق وسائل الأرزاق وقلة الموارد وندرة أبواب العمل والكسب ، والمسكين هو الذي تكون حاجته عن ضعف في بدنه يحول بينه وبين العمل والسعي ، وبهذا التوجيه تندفع كل الاعتراضات ونخرج من الخلاف الطويل بين الفقهاء بأحسن المخارج ، ويكون التوفيق بين الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة على أفضل وجوهه ، فضلا عما في ذلك من التنبيه على دقة التصور في الآية واستيعابها لذوي الحاجات . فإنك لا تكاد تجد فرقا في أوصاف الفقير أو المسكين في الآيات الواردة من حيث الاحتياج أو التعفّف أو غفلة الناس عن التفطّن إليهم ، وتكاد الصفات من هذه الوجوه كلها تكاد تكون واحدة في الآيات والأحاديث ، فالآية تقول في الفقراء :
لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً
[ البقرة : 273 ] والحديث يقول في المساكين : " ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان ، ولا اللقمة واللقمتان ، إنما المسكين الذي يتعفّف اقرءوا إن شئتم :
( لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً )
« 1 » وفي لفظ : " ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه ، ولا يفطن
هامش
( 1 ) رواه أحمد ( 3 / 106 ) والبخاري ( 4539 ) والنسائي في " المجتبى " ( 2571 ) وفي " الكبرى " ( 11053 ) و ( 2352 ) والبيهقي في " السنن " ( 10 / 95 ) وفي " الشعب " ( 3518 ) والدارمي ( 1615 ) وأبو يعلى ( 6378 ) عن أبي هريرة رضي الله عنه .