وأخرج مالك والشافعي وابن أبي شيبة وغيرهم عن ابن عمر أيضا قال : ما أدى زكاته فليس بكنز ، وإن كان تحت سبع أرضين ، وما لم تؤد زكاته فهو كنز وإن كان ظاهرا « 1 » .
والأخلق بشريعة القرآن الكريم أن يقال - والله أعلم - : إن ما ذهب إليه أبو ذر رضي الله عنه هو شريعة الزاهدين ، وعزيمة الأقوياء من المتقشفين ، وما ذهب إليه الجمهور هو التشريع العام للناس جميعا في أموالهم العادية ، فإذا استدعت مصلحة الجماعة نفقة زائدة عن الزكاة المفروضة وجب على الأغنياء بذلها ، فإذا قصّروا كانوا من الكانزين الكنز المذموم ، واستحقّوا هذا الوعيد حتى ولو استغرقت حاجة الجماعة ومصلحتها كل أموالهم بعد الكفاف ، فالحكم على هذا يدور مع مصلحة الجماعة وحاجتها ، وحدّه الأدنى : الزكاة ، وحدها الأعلى : الكفاف والله أعلم .
أسلوب العذاب :
وقد صوّرت الآية العذاب الأليم للكانزين تصويرا هائلا ، فهو أن يحمى على هذه الكنوز ، وليس بلازم أن تكون أعيانها ، بل بما هو بقدرها في نار جهنم ، حتى تصير حميما مذابا ، ثم تكوى بها جباههم التي كانوا يرفعونها استعلاء بالمال والثروة ، وجنوبهم وظهورهم التي كانت تتقلّب على فرش النعيم وتنحرف لطلاب الحاجات ، ويقال لهم مبالغة في التوبيخ :
هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ
[ التوبة : 35 ] .
روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا : " ما من رجل لا يؤدى زكاة ماله إلا جعل له يوم القيامة صفائح من نار ، فيكوى بها جنبه وجبهته وظهره " « 2 » .
وفي البخاري والنسائي مرفوعا كذلك : " من آتاه الله مالا فلم يؤد زكاته مثّل له يوم
هامش
( 1 ) رواه عبد الرزاق في " المصنف " ( 7141 ) والبيهقي في " السنن " ( 5 / 471 ) والطبراني في " الأوسط " ( 8279 ) عن ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعا ، وقال الهيثمي : فيه سويد بن سعيد . وقال الشيخ محمود شاكر : المرفوع فيه سويد بن سعيد بن عبد العزيز وليس بالقوى ، انظر : تفسير الطبري ( 14 / 218 ) أثر رقم ( 16651 ) . ورواه عبد الرزاق ( 7140 ) والشافعي ( 394 ) عن ابن عمر موقوفا .
ورواه عبد الرزاق ( 7143 ) عن عبيد بن عمير موقوفا .
( 2 ) رواه أحمد ( 2 / 540 ) ومسلم ( 987 ) وابن حبان ( 3253 ) والبيهقي في " السنن " ( 10 / 80 ) وفي " الشعب " ( 3302 ) والطبراني في " الأوسط " ( 8945 ) وابن خزيمة ( 2252 ) عن أبي هريرة رضي الله عنه .