تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظرات في كتاب الله — صفحة 230

مساهمون:

ص٢٣٠
ونظر جيش طالوت إلى قلة عدده فقال بعضهم :
( لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ )
. كادت هذه العاطفة اليائسة تسرى بين الجنود ، فتقتل معنوياتهم ، وتقضى على ثباتهم ، وكيف وهم المنتخبون المختارون ؟ وكيف وهم البقية الباقية من المجاهدين في سبيل الوطن المغصوب ؟ وهنا علا صوت الإيمان من قلوب أهل الإيمان ، وهنا ظهرت العقيدة الصادقة ، تفصح بأجلى بيان ، وهنا يظهر الفارق البعيد بين المؤمنين والمأجورين ، قال الذين يظنون ويعتقدون بنصر الله إياهم وتأييده لهم ، وأنه من ورائهم ، وأنهم لا شك مائتون ، فموت في ساحة الشرف خير من موت على فراش المذلة ، قال هؤلاء :
( كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ )
. وإذن فلا قنوط ، وإذن فلا معنى لليأس ، وإذن فليسر الجيش المجاهد على بركة الله .

[ مواجهة ]

تراءت الفئتان ، فهذا الغاصب المعتدى المغتر بقوته وجبروته وصولته وجنوده ، وهذا المؤمن المدافع عن دينه وعرينه يستمدّ النصر من الله ، ويلجأ إليه في كل أحواله :
( رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ )
فلم يكن إلا رجع الطّرف حتى نصر الله كتيبته ، وأعلى كلمته ، وأيّد جنده ،
( فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ )
ملك العمالقة وورثه في ملكه ، وأفاض الله عليه الحكمة ، وشرّفه بالنبوة ، وعلّمه مما يشاء . وبعد فهي عبرة للشرق اليوم ، والتاريخ يعيد نفسه ، وإنّ داود الشرق لرابض بالمرصاد لجالوت الغرب لو وجد الأنصار المؤمنين ، فهلّا « 1 » ؟ .
هامش
( 1 ) ممن تناولوا قصة طالوت وجالوت بأسلوب أدبى دعوى رائع أيضا : الشيخ محمد الغزالي رحمه الله ، في كتابه : " الإسلام المفترى عليه بين الشيوعيين والرأسماليين " فتراجع فيه ، ففيها من الدروس والعبارات الأدبية السامية ما يدعو لقراءتها .
نظرات في كتاب الله — صفحة 230 | حسن البنا