تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظرات في كتاب الله — صفحة 218

مساهمون:

ص٢١٨
( الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ )
وبديهي أن مقابلة العدوان بمثله ليست عدوانا ، ولكن الآية الكريمة عبرت عنها بكلمة :
( فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ )
تأكيدا للمماثلة والمشابهة حتى في الألفاظ ، وبيانا لأن رد العدوان مطلوب حتى ولو استدعى ذلك أن نقابل عمل العدو بعمل آخر يدفعه ، وإن لم يكن شبيها له في الصورة . ثم أكدت الآية الكريمة هذا الروح النبيل العادل ببيان أن المجاهد إذا التزم هذا الحد واتّقى العدوان وابتعد عنه كان الله معه يحوطه ويؤيّده بنصره .

[ الجهاد بالمال ]

ومن الجهاد : جهاد بغير النفس ، وهو الجهاد بالمال ، وقد ندب الإسلام إليه في كثير من آياته ومن أحاديث الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، وحسبنا قول الله تبارك وتعالى :
وَما لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى
[ الحديد : 10 ] والآيات والأحاديث في ذلك أكثر من أن تحصر . ومنها الآية الكريمة التي نحن بصددها ، ولهذا كان السلف الصالح رضوان اللّه عليهم من أسخى الناس بأموالهم في سبيل الله . كانت أموال أبى بكر رضي الله عنه أربعين ألفا ، أنفق منها خمسا وثلاثين ألفا على الدعوة ، وجاء ذات مرة بكل ماله ، فقال له الرسول صلى اللّه عليه وسلم : " وما ذا أبقيت لعيالك يا أبا بكر ؟ " فقال : أبقيت لهم الله ورسوله « 1 » . وجاء عمر بنصف ماله ، وجهز عثمان جيش العسرة واشترى بئر رومة وجعلها صدقة للمسلمين ، ودفع عبد الرحمن بن عوف نصف ماله ، ودفع معه ( الأراشى ) « 2 » صاعا من تمر هو نصف أجرة ذلك اليوم ، فتقوّل المنافقون ولمزوهما بالرياء ، فأنزل الله قوله تعالى
هامش
( 1 ) رواه الترمذي ( 3675 ) وقال : حسن صحيح ، وأبو داود ( 1678 ) والدارمي ( 1660 ) والحاكم ( 1 / 574 ) والبيهقي في " السنن " ( 6 / 133 ) والبزار ( 270 ) عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وحسنه الشيخ الألبانى في " صحيح الترمذي " ( 2902 ) . ( 2 ) الأراشى هو : ابن عقيل أخو بنى أنيف الأراشى ، حليف بنى عمرو بن عوف .