ووجوب التكافل بين أبناء الأمة الواحدة وهو الأساس الذي قام عليه النظام الذي يسمّونه في هذا العصر ب ( الشيوعية ) وهو وحده لا يؤدى كذلك إلى صلاح المجتمع أو استقرار الأمور فيه بين الناس على وفاق وصفاء ، فكان لا بد من المزج بينه وبين الأصل الأول ، فجاء نظام القرآن بهذا المزج بين أفضل ما في النظامين وقدمه للناس سائغا في صورة ( اشتراكية معقولة ) عمادها تقديس الأخوة ، وروحانية العاطفة ، وحب الخير ، والإيمان بالجزاء في الدنيا والآخرة ، وليس ذلك فحسب فإن من النفوس من لا تهزه هذه النواحي وحدها ، بل لاحظ أيضا وجوب تدخّل الدولة وحماية هذا السمو بالتشريع ، بل بالقتال إذا احتاج الأمر عند اللزوم ، ومن هنا قال الخليفة الأول رضى اللّه عنه : " واللّه لو منعوني عقالا كانوا يؤدونها لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لقاتلتهم على منعها " « 1 » .
تقريب :
كما لاحظ الإسلام بأوضاعه الاقتصادية الدقيقة في الكسب والإنفاق التقريب بين الطبقات بحيث ضاقت الشقة بين الثروة والفقر إلى أقصى حد . فمن حيث الأغنياء حدّد أمامهم أبواب الكسب ، وفتح لهم أبواب الإنفاق ، وفرض عليهم الزكاة ، وحرم الربا ، وحيل بينهم وبين الترف ، ولم تعتبر ثروتهم في عرف المجتمع الإسلامي مظهرا من مظاهر التميز والاستعلاء ، وأنذروا بأشد الوعيد في الدنيا والآخرة إذا لم يؤدّوا حقّ اللّه والناس في المال .
ومن حيث الفقراء رفع عنهم معنى النقص الاجتماعي بسبب الفقر ، وفرض عليهم العمل ، وفتح أمامهم أبوابه ، وجعلوا عند العجز في ضمان الأقرباء أولا ، والأغنياء ثانيا ، وبيت مال الدولة ثالثا ، وتقرر بالتشريع حقهم المعلوم في أموال الأثرياء ، ثم ألزمت الدولة بعد ذلك بملاحظة هذا التوازن والمبادرة إلى المحافظة عليه كلما عرضت له عوارض الاختلال ، ووضعت في يدها كل السلطات التشريعية والتنفيذية اللائقة لإصلاح الحال ، وليس بعد ذلك زيادة لمستزيد
وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً
[ النساء : 82 ] .
هامش
( 1 ) رواه البخاري ( 7285 ) ومسلم ( 20 ) والترمذي ( 2607 ) والنسائي في " المجتبى " ( 2443 ) و ( 3970 ) وأبو داود ( 1556 ) عن أبي هريرة رضى اللّه عنه .