والإنفاق : إخراج المال من اليد ، ومنه : نفق البيع ، أي : خرج من يد البائع إلى المشترى ، ونفق الزاد فنى وفرغ .
واختلفوا في المراد بالإنفاق هنا . فقيل : الزكاة المفروضة ، روى هذا عن ابن عباس لقرنها بالصلاة .
وقيل : نفقة الرجل على أهله ، وروى ذلك عن ابن مسعود ، لأن ذلك أفضل النفقة .
روى مسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم : " دينار أنفقته في سبيل الله ، ودينار أنفقته في رقبة ، ودينار تصدّقت به على مسكين ، ودينار أنفقته على أهلك ، أعظمها أجرا الذي أنفقته على أهلك " « 1 » .
وروى عن ثوبان قال : قال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم : " أفضل دينار ينفقه الرجل : دينار ينفقه على عياله ، ودينار ينفقه على دابته في سبيل الله عز وجل ، ودينار ينفقه على أصحابه في سبيل الله " قال أبو قلابة : وبدأ بالعيال ، ثم قال أبو قلابة : وأي رجل أعظم أجرا من رجل ينفق على عيال صغار يعفهم أو ينفعهم الله به ويغنيهم « 2 » .
وقيل : صدقة التطوع ، وروى عن الضحّاك ؛ نظرا إلى أنّ الزكاة لا تأتى إلا بلفظها المختص بها وهو الزكاة . قال الضحّاك : كانت النفقة قربانا يتقربون به إلى الله عز وجل على قدر جهدهم حتى نزلت فرائض الصدقات الناسخات في براءة ، وقيل : هو عام ، وهو الصحيح . ملخصا من القرطبي « 3 » .
وأقول : إنّ الأمر أعمق من التحديد . والمراد به أولا - والله أعلم - : بيان أثر التقوى والإيمان الصحيح في النفوس الطيعة المستعدة للخير من زهادة في أعراض هذه الحياة الدنيا ، ومحبة لإشاعة الخير في المجتمع ، ومبادرة إلى الإيثار والبذل في سبيل إسعاد البشر أو تخفيف آلامهم ، وذلك غير قاصر على وقت أو قدر ، فالذي تتأثر نفسه بهذه المشاعر ينفق مما رزقه الله على نفسه وعياله وعلى الناس تطوعا وفريضة بالليل وبالنهار وفي كل فرصة تتاح له .
هامش
( 1 ) رواه أحمد ( 3 / 243 ) و ( 9818 ) ومسلم ( 995 ) والنسائي في " الكبرى " ( 9183 ) والبيهقي في " الشعب " ( 8717 ) عن أبي هريرة رضي الله عنه .
( 2 ) رواه أحمد ( 6 / 377 ) ومسلم ( 9941 ) وابن ماجة ( 2760 ) عن ثوبان بن بجدد .
( 3 ) انظر : تفسير القرطبي ( 1 / 177 - 179 ) بتصرف شديد .