تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظرات في كتاب الله — صفحة 172

مساهمون:

ص١٧٢
أَ فَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ
[ البقرة : 75 ] ، فهؤلاء وأمثالهم لا يمكن أن تنفع فيهم موعظة أو تشرق أرواحهم بحقائق الإيمان . كما أنّ من النفوس البشرية المشرق المستنير اللين المستعد لتلقى الحق والإذعان له ، وهو من الشفافية والصفاء والإشراق بحيث يدرك الحقائق بحاسة أخرى هي فوق الحسّ والشمّ والذوق والسمع والبصر ، وفي هؤلاء وأمثالهم يقول الحق تبارك وتعالى :
اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ
[ الزمر : 24 ] . ولا ينكر هذا التفاوت في طبائع النفوس البشرية إلا جاحد مكابر من الصّنف الأول ، فإنه مشاهد ملموس . فالمراد بالذين يؤمنون بالغيب : هو هذا الصنف المشرق الشفاف من النفوس الطيبة اللينة ؛ الحسنة الاستعداد لتقبل الحقائق وإن جاءتها عن غير طريق الحواس . قال الأستاذ الإمام « 1 » في هذا المقام ما نصّه : ( وصاحب هذا الاعتقاد واقف على طريق الرشاد ، وقائم على أول النهج ، لا يحتاج إلا إلى من يدله على المسلك ، ويأخذ بيده إلى الغاية ؛ فإن من يعتقد بأن وراء المحسوسات موجودات يصدق بها العقل - وإن كان لا يأتي عليها الحس - إذا أقمت له الدليل على وجود فاطر السماوات والأرض المستعلى عن المادة ولواحقها ، المتّصف بما وصف به نفسه على ألسنة رسله ، سهل عليه التصديق ، وخفّ عليه النظر في جلىّ المقدمات وخفيها ، وإذا جاء الرسول بوصف اليوم الآخر أو بذكر عالم من العوالم التي استأثر اللّه بعلمها كعالم الملائكة - مثلا - لم يشق على نفسه تصديق ما جاء به الخبر بعد ثبوت النبوة ، لهذا جعل اللّه سبحانه هذا الوصف في مقدمة أوصاف المتقين الذين يجدون في القرآن هدى لهم . وأما من لا يعرف من الموجود إلا المحسوس ، ويظن أن لا شئ وراء المحسوس وما اشتملت عليه ، فنفسه تنفر من ذكر ما وراء مشهوده أو ما يشبه مشهوده ، وقلّما تجد
هامش
( 1 ) أي الشيخ محمد عبده رحمه اللّه .