وأفعاله ، ويتأثّر بأسبابها وظروفها والعوامل المؤثّرة فيها . ولكنّ القرآن الّذي واكب تلك السّنين بمختلف حالاتها ، في الضّعف والقوّة ، في العسر واليسر ، في لحظات الهزيمة ولحظات الانتصار ، والتّنزيل تدريجا خلال تلك الأعوام ، كان يسير دائما على خطّه الرّفع ، لم ينعكس عليه أيّ لون من ألوان الانفعال البشريّ الّذي تثيره تلك الحالات . وهذا من مظاهر الإعجاز في القرآن الّتي تبرهن على تنزيله من لدن عليّ حكيم ، ولم يكن القرآن ليحصل على هذا البرهان لولا إنزاله تدريجا في ظروف مختلفة وأحوال متعدّدة .
2 - إنّ القرآن بتنزيله تدريجا كان إمدادا معنويّا مستمرّا للنّبيّ صلّى اللّه عليه وآله ، كما قال اللّه تعالى :
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا
« 1 » ، فإنّ الوحي إذا كان يتجدّد في كلّ حادثة كان أقوى للقلب ، وأشدّ عناية بالمرسل إليه ، ويستلزم ذلك نزول الملك إليه ، وتجدّد العهد به ، وتقوية أمله في النّصر ، واستهانته بما يستجدّ ، ويتعاقب من محن ومشاكل . ولهذا نجد أنّ القرآن ينزل مسلّيا للنّبيّ مرّة بعد مرّة مهوّنا عليه الشّدائد ، كما وقع في محنة يأمره تارة بالصّبر أمرا صريحا ، فيقول :
وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلًا
« 2 » ، وينهاه تارة أخرى عن الحزن ، كما في قوله :
وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً
« 3 » . ويذكّره بسيرة الأنبياء الّذين تقدّموه من أولي العزم فيقول :
فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ
« 4 » ، ويخفّف عنه أحيانا ، ويعلّمه أنّ الكافرين لا يجرحون شخصه ، ولا يتّهمونه بالكذب لذاته ، وإنّما يعاندون الحقّ بغيا ، كما هو شأن الجاحدين في كلّ عصر ، كما في قوله :
قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ
« 5 » .
3 - إنّ القرآن الكريم ليس كتابا كسائر الكتب الّتي تؤلّف للتّعليم والبحث العلميّ ، وإنّما هو عمليّة تغيير الإنسان تغييرا شاملا كاملا في عقله وروحه وإرادته ، وصنع أمّة ،
هامش
( 1 ) - الفرقان / 32 .
( 2 ) - المزّمّل / 10 .
( 3 ) - يوسف / 65 .
( 4 ) - الأحقاف / 35 .
( 5 ) - الأنعام / 33 .