رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا
« 1 » ، فقال : والآية تسلية للرّسول صلّى اللّه عليه وسلم بعد تسلية ، وإرشاد إلى سنّته تعالى في الرّسل والأمم ، أو هي تذكير بهذه السّنّة وما تتضمّنه من حسن الأسوة ؛ إذ لم تكن هذه الآية أوّل ما نزل في هذا المعنى . ثمّ زاد هذه الفكرة وضوحا بقوله : ولولا أنّ دفع الأسى بالأسى من مقتضى الطّبع البشريّ لما ظهرت حكمة تكرار التّسلية بأمثال هذه الآية ، فإنّ النّبي صلّى اللّه عليه وسلم كان يتلو القرآن في الصّلاة ولا سيّما صلاة اللّيل ، فربّما يقرأ السّورة ولا يعود إليها إلّا بعد أيّام يفرغ فيها من قراءة ما نزل من سائر السّور ، فاحتيج إلى تكرار تسليته وأمره بالصّبر المرّة بعد المرّة ؛ لأنّ الحزن والأسف اللّذين كانا يعرضان له صلّى اللّه عليه وسلم من شأنهما أن يتكرّرا بتكرّر سببهما وبتذكّره عند تلاوة الآيات الواردة في بيان حال الكفّار ومحاجّتهم وإنذارهم « 2 » .
والصّورة الثّانية لتجاوب الوحي مع الرّسول صلّى اللّه عليه وسلم هي - كما ذكرنا - تيسير حفظ القرآن عليه . ومن العلماء من يرى أنّ « تثبيت فؤاده » المذكور في آية الفرقان السّابقة لا يراد منه إلّا جمع القرآن حفظا في قلبه ، فإنّه عليه السّلام كان أمّيّا لا يقرأ ولا يكتب ، ففرّق عليه لييسّر عليه حفظه ، بخلاف غيره من الأنبياء ، فإنّه كان كاتبا قارئا ، فيمكنه حفظ الجميع إذا نزل جملة . . . [ ثمّ ذكر قول ابن فورك كما تقدّم عن الزّركشيّ ، فقال : ]
وأمّا تجاوب الوحي مع المؤمنين على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ففي القرآن منه صور متنوّعة ، وألوان متباينة ، تلتقي كلّها عند غاية واحدة ، وهي رعاية حال المخاطبين ، وتلبية حاجاتهم في مجتمعهم الجديد الآخذ في الازدهار ، وعدم مفاجأتهم بتشريعات وعادات وأخلاق لا عهد لهم بمثلها ، وقد أشار إلى هذا مكّيّ « 3 » في « النّاسخ والمنسوخ » ، حين لاحظ أنّ نزول القرآن أدعى إلى قبوله إذا نزل على التّدريج ، بخلاف ما لو نزل جملة واحدة ، فإنّه كان ينفر من قبوله كثير من النّاس ؛ لكثرة ما فيه من الفرائض والمناهي .
هامش
( 1 ) - سورة الأنعام / 34 .
( 2 ) - تفسير المنار 7 : 377 - 378 .
( 3 ) - هو مكيّ بن أبي طالب حموش بن محمّد القيسيّ المقرئ ، وأصله من القيروان ، سكن قرطبة ، كثير التّأليف في علوم القرآن والعربيّة . وتوفّي سنة 437 ، ينسب إليه السّيوطيّ كتابا في « النّاسخ والمنسوخ » . ( م )