الخارج على مقتضى الفطرة ، المنسلخ من الكرامة الإنسانيّة « 1 » .
وفي ضوء هذه التّفرقة بين الأعماق والسّطحيات في الأنفس والآفاق ، وفي الأفراد والمجتمعات ، نظر الإسلام إلى القتل والسّرقة والغصب وأكل أموال النّاس بالباطل ومختلف ضروب الغشّ في المعاملات نظرته إلى الزّنى ، فحرّمها مرّة واحدة تحريما قاطعا لا تساهل فيه . وإذا صحّ أنّ التّعبير عن تحريم أكثر هذه الأشياء إنّما ورد في الكتاب متأخّرا ، وأنّ أكثرها وقع تحريمه في المدينة بعد هجرة الرّسول صلّى اللّه عليه وسلم إليها ، فلا يصحّ القول - على وجه الإطلاق والتّعميم - بتدرّج التّحريم على مراحل في هذه الشّئون ، فكما حرّم اللّه الزّنى في لهجة قاطعة فقال :
وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلًا
« 2 » حرّم القتل في خطوة جازمة فقال :
وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً
« 3 » ، وحرّم السّرقة يوم قضت حكمته أن يعبّر عن تحريمها في أسلوب صارم فقال :
وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا مِنَ اللَّهِ
« 4 » .
وبمثل هذه الصّرامة حرّم اغتصاب أموال النّاس بغير حقّ فقال :
وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ
« 5 » . وكلّ لون من ألوان الغشّ في المعاملات إنّما جاء تحريمه في الكتاب بهذه الصّيغ الجازمة ، فإن لم يكن في الكتاب ففي السّنة المطهّرة .
والإسلام مهما يبدو حريصا على تدرّج التّشريع وتنجيم النّوازل القرآنيّة لا يسمح قطّ بالخلط بين تأخير البيان لوقت الحاجة وبين تدرّج التّشريع ، فلقد أخّر اللّه بيان أحكام كثيرة من حلال وحرام ، ومن أوامر ونواه ، ولكنّه حين أراد بيانها أمضى أمره فيها مرّة واحدة ، ولم يدع فيها للتّدريج مجالا ، وعلّم المؤمنين بهذا سرعة الاستجابة للأوامر
هامش
( 1 ) - قارن بضلال القرآن 2 : 60 - 61 .
( 2 ) - الإسراء / 32 .
( 3 ) - النّساء / 92 .
( 4 ) - المائدة / 38 .
( 5 ) - البقرة / 188 .