هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ
« 1 » ، ثمّ استمرّ نزوله نجوما بعد ذلك ، متدرّجا مع الوقائع والأحداث .
ولسنا نميل إلى الرّأي القائل : إنّ للقرآن تنزّلات ثلاثة ؛ الأوّل : إلى اللّوح المحفوظ ، والثّاني : إلى بيت العزّة في السّماء الدّنيا ، والثّالث : تفريقه منجّما بحسب الحوادث ، وإن كانت أسانيد هذا الرّأي كلّها صحيحة « 2 » ؛ لأنّ هذه التّنزّلات المذكورة من عالم الغيب الّذي لا يؤخذ فيه إلّا بما تواتر يقينا في الكتاب والسّنّة ، فصحّة الأسانيد في هذا القول لا تكفي وحدها لوجوب اعتقاده ، فكيف وقد نطق القرآن بخلافه ؟ إنّ كتاب اللّه لم يصرّح إلّا بتفريق الوحي وتنجيمه ، ومنه يفهم بوضوح أنّ هذا التّدرّج كان مثار اعتراض المشركين الّذين ألفوا أن تلقى القصيدة جملة واحدة ، وسمع بعضهم من اليهود أنّ التّوراة نزلت جملة واحدة ، فأخذوا يتساءلون عن نزول القرآن نجوما ، وودّوا لو ينزّل كلّه مرّة واحدة . وقد ذكر اللّه اعتراضهم في سورة الفرقان ، وردّ عليه :
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً
« 3 »
على أنّ القائلين بتنزيلات القرآن الثّلاثّة لا يفوتهم - بعد بيان حكمة هذا التّعدّد في أماكن النّزول « 4 » - أن يشيروا إلى أسرار تنزّله الثّالث الأخير منجّما بحسب الوقائع . وهذه الأسرار قد بلغت من الوضوح حدّا لا تخفى معه على أحد ، ولولا أنّ الحكمة الإلهيّة . . . [ وذكر كما تقدّم عن أبي شامة ، ثمّ قال : ] .
هامش
( 1 ) - سورة البقرة / 185 .
( 2 ) - انظر الإتقان 1 : 68 . ويظهر أنّ الجمهور كان يجنح إلى هذا الرّأي ، فالزّركشيّ في البرهان ( 1 : 229 ) يقول في هذا الرّأي : أنّه أشهر وأصحّ ، وإليه ذهب الأكثرون . وابن حجر في « فتح الباريّ » يصفه بالرّأي « الصّحيح المعتمد » . ونحن مع ذلك لم نأخذ به ؛ لمخالفته صريح القرآن ، كما أوضحناه أعلاه .
( 3 ) - الفرقان / 32 - 33 .
( 4 ) - وخلاصة هذه الحكمة أنّ في تعدّد النّزول وأماكنه مبالغة في نفي الشّك عن القرآن ، وزيادة للإيمان به وباعثا على الثّقة فيه ؛ لأنّ الكلام إذا سجّل في سجلّات متعدّدة ، وصحّت له وجودات كثيرة كان ذلك أنفى للرّيب عنه وأدعى إلى تسليم ثبوته ، وأدنى إلى وفرة الإيمان به ممّا لو سجّل في سجل واحد أو كان له وجود واحد . الزّرقانيّ : مناهل العرفان ( 1 : 39 - 40 ) .