تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نصوص في علوم القرآن — صفحة 454

مساهمون:

ص٤٥٤
ويوضّح ذلك ما أخرجه البخاريّ عن عائشة قالت : إنّما نزل أوّل ما نزل . . . [ وذكر كما تقدّم عن السّيوطيّ ، ثمّ قال : ] وظاهر كلام عائشة في قولها هذا أنّها جمعت بين تحريم الخمر وتحريم الزّنى بالتّدريج ، فيخيّل إلى السّامع أنّ تحريم الزّنى لم يتمّ إلّا على مراحل كالخمر ، وليس ذلك بصحيح ولا هو مراد بنت الصّديق ، فإنّها كانت تعلم أنّ الزّنى حرّم دفعة واحدة ، في خطوة واحدة جازمة بمثل قوله تعالى :
وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلًا
« 1 » ، وإنّما أرادت بيان أوائل ما نزل من القرآن ، وأنّ تلك الأوائل ما كانت بمقتضى حكمة اللّه لتتناول الحلال والحرام ، بل تناولت أصول الإيمان باللّه واليوم الآخر . فعدم تحريم الزّنى في أوّل ما نزل من الوحي لا يعني أنّ هذا التّحريم تأخّر كثيرا ؛ إذ وقع تحريمه في مكّة على كلّ حال ، وهو لا يعني تدرّج هذا التّحريم على مراحل ؛ إذ لم نعلم في كتاب اللّه ولا سنّة رسوله إثبات منفعة للزّنا إلى جانب إثمه الكبير كما علمناه في تحريم الخمر والميسر ، ولم نر لونا من الألوان الزّنى والسّفاح يقرّ في الإسلام بأيّة صورة ، وإنّما الّذي عرفناه أنّ الإسلام أمضى أمره بتحريم الزّنى بأسلوب صارم ولهجة قاطعة ، كما حرّم سائر الفواحش ما ظهر منها وما بطن ، والإثم والبغي بغير الحقّ . وما من ريب في أنّ الإسلام فرّق بين الأعماق والسّطحيات في أنفس الأفراد والمجتمعات ، فكلّ قضيّة عميقة الجذور في نفس الفرد اتّخذت شكل عادة شعوريّة ، وكلّ قضيّة عميقة الجذور في نفس المجتمع اتّخذت شكل تقليد اجتماعي أو عرف دوليّ ، فللإسلام فيها موقف المتمهّل المتريّث الّذي يؤمن بأنّ البطء مع التّنظيم خير من العجلة مع الفوضى . وكلّ قضيّة سطحيّة تنزلق إلى نفس الفرد أو إلى نفس الجماعة فتفسد عليها فطرتها الزّكيّة النّقيّة ، فهي جريمة في الحياة الإنسانيّة لا يجوز السّكوت عنها ، فليقطع الإسلام فيها برأيه ، ولتكن حدوده فيها غير قابلة للنّقاش ، فما يناقش في أمر هذه الحدود إلّا
هامش
( 1 ) - الإسراء / 32 .
نصوص في علوم القرآن — صفحة 454 | السيد علي الموسوي الدارابي