ويعنينا من أقوالهم تطلّعهم إلى أسرار التّدرّج في نزول القرآن ، فقد أوشكوا عند بلوغ هذه النّاحية من البحث ألّا يتركوا مجالا لقائل بعدهم ؛ إذ لاحظوا في التّدرّج الحكمتين اللّتين أشرنا إليهما ، وهما تجاوب الوحي مع الرّسول صلّى اللّه عليه وسلم ، وتجاوبه مع المؤمنين ، وإن كان تعبيرهم عن ذلك يختلف قليلا عن تعبيرنا .
ولتجاوب الوحي مع الرّسول صلّى اللّه عليه وسلم صورتان ؛ إحداهما : تثبيت فؤاده بما يتجدّد نزوله من القرآن بعد كلّ حادثة ، والثّانية : تيسير حفظ القرآن عليه . وقد أشار إلى الصّورة الأولى أبو شامة في قوله : فإن قيل : ما السّرّ في نزوله منجّما ؟ . . [ وذكر كما تقدّم عنه ، ثمّ قال : ]
ولقد راع القرآن خيال العرب وأخذ أسماعهم بما فيه من أنباء الرّسل مع أقوامهم ، تتكرّر بصور مختلفة ، وأساليب متنوّعة ، فتزداد حلاوة كلّما تكرّرت ، ولا غرض لها في أكثر المواطن الّتي ذكرت فيها إلّا تثبيت قلب الرّسول صلّى اللّه عليه وسلم وقلوب المؤمنين . ونطق القرآن بذلك فقال :
وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ
« 1 » ، ففي ذكر قصص الرّسل وتفريقه وتنويعه تقوية لقلب الرّسول صلّى اللّه عليه وسلم وعزاء له على ما يلقاه من أذى قومه ، وما كان محمّد بدعا من الرّسل ، فهم جميعا عذّبوا وكذبوا واضطهدوا
حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ
« 2 » .
وهكذا ما انفكّ القرآن يتجدّد نزوله مهوّنا على الرّسول صلّى اللّه عليه وسلم الشّدائد ، مسلّيا له مرّة بعد مرّة ، محبّبا إليه التّأسّي بمن قبله من الرّسل ، يأمره تارة بالصّبر أمرا صريحا فيقول :
وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلًا
« 3 » ، ويقول :
فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ
« 4 » .
وينهاه تارة أخرى عن الحزن نهيا صريحا ، كما في قوله :
فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ
« 5 » ،
هامش
( 1 ) - هود / 120 .
( 2 ) - البقرة / 214 .
( 3 ) - المزّمّل / 10 .
( 4 ) - الأحقاف / 35 .
( 5 ) - يس / 75 .