ويتبادر إلى الذّهن هنا سؤال ، فإذا كان نزول القرآن في ليلة القدر ، وليلة القدر من ليالي شهر رمضان ، أفلا يعني هذا أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله قد بعث في ليلة القدر ؟ فلما ذا نحتفل بالمبعث في يوم السّابع والعشرين من رجب ، مع أنّ القرآن يصرّح بنزوله في رمضان ؟
هنا لا بدّ أن نشير إلى موضوع ، وإن لم يكن جوابا على هذا السّؤال ، إلّا أنّنا لا بدّ أن نشير إليه ، وهو أنّ للقرآن نزولين : النّزول الإجماليّ ، والنّزول التّدريجيّ أو التّفصيليّ .
فالنّزول الإجماليّ هو النّزول غير الزّمانيّ ، والنّزول التّدريجيّ هو النّزول التّفصيليّ الزّمانيّ .
وكلمة « نزول » بحسب اللّغة العربيّة ترد في موضعين اثنين ؛ الأوّل : من باب الإفعال ( إنزال )
إِنَّا أَنْزَلْناهُ
، والآخر : من باب تفعيل « تنزيل » . علماء اللّغة العربيّة يقولون : إنّ هناك فرقا بين هاتين الصّيغتين من حيث المعنى ، فأنزلناه ترد حيث يقصد النّزول الكلّيّ دفعة واحدة ، وتنزيل ترد حيث يكون التّنزيل تدريجيّا . فالقرآن إذن إنزال وتنزيل .
ففي هذه الآيات :
إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ
و
شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ
و
حم وَالْكِتابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ
يأتي الفعل من إفعال ، وهي كلّها تشير إلى نزول إجماليّ دفعة واحدة غير مشروط بزمان ، نزل على محمّد صلّى اللّه عليه وآله قبل تنزيله عليه بهيئة روح ، لا بهيئة آيات وكلمات وألفاظ وسور . وبعد أن استقرّت تلك الرّوح في الرّسول الكريم ، وهي روح القرآن ، نزل القرآن مرّة أخرى بهيئة ألفاظ وكلمات وسور هذه المرّة .
إنّ لدينا بهذا الشّأن روايات كثيرة ، فقد ورد عن الأئمّة الأطهار مرارا أنّ القرآن قد نزل على الرّسول الكريم بهيئتين : بهيئة إجماليّة واسعة ودفعة واحدة ، وبهيئة تفصيليّة تدريجيّة زمانيّة . فذلك النّزول الإجماليّ الّذي نزل على الرّسول دفعة واحدة هو النّزول الّذي حدث في شهر رمضان . في ذلك الوقت لم يكن الرّسول قد بعث بعد ، بعثة الرّسول تبدأ منذ أن نزل جبريل يحمل إلى الرّسول القرآن والرّوح والحقيقة في صورة ألفاظ وكلمات . ذلك هو زمان بعثة الرّسول صلّى اللّه عليه وآله ، وهو ما حصل في شهر رجب ، ودام 23 سنة .
هنالك لفظتان لكتاب اللّه : القرآن والفرقان ، كما جاء في سورة الفرقان
تَبارَكَ الَّذِي