وأشخاص وأحوال خاصّة لا تصدق إلّا مع تحقّق مواردها المتفرّقة زمانا ومكانا وغير ذلك ، بحيث لو اجتمعت زمانا ومكانا وغير ذلك انقلبت عن تلك الموارد وصارت غيرها ، فلا يمكن احتمال نزول القرآن وهو على هيئته وحاله بعينها مرّة جملة ومرّة نجوما . فلو قيل بنزوله مرّتين كان من الواجب أن يفرّق بين المرّتين بالإجمال والتّفصيل ، فيكون نازلا مرّة إجمالا ومرّة تفصيلا ، ونعني بهذا الإجمال والتّفصيل ما يشير إليه قوله تعالى :
كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ
« 1 » وقوله :
إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ
« 2 »
وقد مرّ الكلام في معنى الإحكام والتّفصيل في تفسير سورتي هود والزّخرف .
وقيل : المراد بنزول الكتاب في ليلة مباركة افتتاح نزوله التّدريجيّ في ليلة القدر من شهر رمضان ، فأوّل ما نزل من آيات القرآن - وهو سورة العلق أو سورة الحمد - نزل في ليلة القدر .
وهذا القول مبنيّ على استشعار منافاة نزول الكتاب كلّه في ليلة ، ونزوله التّدريجيّ الّذي تدلّ عليه الآيات السّابقة ، وقد عرفت أن لا منافاة بين الآيات . على أنّك خبير بأنّه خلاف ظاهر الآيات .
وقيل : إنّه نزل أوّلا جملة على السّماء الدّنيا في ليلة القدر ، ثمّ نزل من السّماء الدّنيا على الأرض تدريجا في ثلاث وعشرين سنة مدّة الدّعوة النّبويّة .
وهذا القول مأخوذ من الأخبار الواردة في تفسير الآيات الظّاهرة في نزوله جملة .
وقوله :
إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ
واقع موقع التّعليل ، وهو يدلّ على استمرار الإنذار منه تعالى قبل هذا الإنذار ، فيدلّ على أنّ نزول القرآن من عنده تعالى ليس ببدع ، فإنّما هو إنذار ، والإنذار سنّة جارية له تعالى لم تزل تجري في السّابقين من طريق الوحي إلى الأنبياء والرّسل وبعثهم لإنذار النّاس .
قوله تعالى :
فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ
ضمير
فِيها
لليلة ، والفرق : فصل الشّيء
هامش
( 1 ) - هود / 1 .
( 2 ) - الزّخرف / 3 - 4 .