لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ . . .
القيامة / 16 - 19
الّذي يعطيه سياق الآيات الأربع بما يحفّها من الآيات المتقدّمة والمتأخّرة الواصفة ليوم القيامة أنّها معترضة ، متضمّن أدبا إلهيّا كلّف النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله أن يتأدّب به حينما يتلقّى ما يوحى إليه من القرآن الكريم ، فلا يبادر إلى قراءة ما لم يقرئ بعد ، ولا يحرّك به لسانه ، وينصت حتّى يتمّ الوحي .
فالآيات الأربع في معنى قوله تعالى :
وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ
« 1 » .
فالكلام في هذه الآيات يجري مجرى قول المتكلّم منّا أثناء حديثه لمخاطبه إذا بادر إلى تتميم بعض كلام المتكلّم باللّفظة واللّفظتين قبل أن يلفظ بها المتكلّم ، وذلك يشغله عن التّجرّد للإنصات ، فيقطع المتكلّم حديثه ويعترض ويقول : لا تعجل بكلامي ، وانصت لتفقّه ما أقول لك ، ثمّ يمضي في حديثه .
فقوله :
لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ
الخطاب فيه للنّبيّ صلّى اللّه عليه وآله ، والضّميران للقرآن الّذي يوحى إليه أو للوحي ، والمعنى لا تحرّك بالوحي لسانك لتأخذه عاجلا ، فتسبقنا إلى قراءة ما لم نقرئ بعد ، فهو كما مرّ في معنى قوله :
وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ .
وقوله :
إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ
القرآن هاهنا : مصدر كالفرقان والرّجحان ، والضّميران للوحي ، والمعنى لا تعجل به ؛ إذ علينا أن نجمع ما نوحيه إليك بضمّ بعض أجزائه إلى بعض وقراءته عليك ، فلا يفوتنا شيء منه حتّى يحتاج إلى أن تسبقنا إلى القراءة ما لم نوحه بعد .
وقيل : المعنى إنّ علينا أن نجمعه في صدرك ؛ بحيث لا يذهب عليك شيء من معانيه ، وأن نثبّت قراءته في لسانك ، بحيث تقرأه متى شئت ، ولا يخلو من بعد .
وقوله :
فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ
، أي فإذا أتممنا قراءته عليك وحيا فاتّبع قراءتنا
هامش
( 1 ) - طه / 114 .